المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٦٠
كخلق الجواهر و الألوان.
و ذهب آخرون إلى أنّ جهة إعجازه ما تضمّنه من الإخبار عن الغيوب.
و قال قائلون: جهة إعجازه ارتفاع التناقض و الاختلاف عنه على وجه مخالف للعادة.
و استدلّ علم الهدى رضي اللّه عنه على صحّة ما اختاره من القول بالصرفة بأن قال: لو كانت فصاحة القرآن خارقة للعادة، لوجب أن يكون بين القرآن و بين أفصح كلام العرب التفاوت الشديد الذي يكون بين الممكن و المعجز فكان لا يشتبه فصل ما بينه و بين ما يضاف إليه من أفصح كلام العرب في الفصاحة، كما لا يشتبه الحال بين كلامين فصيحين و إن لم يكن بينهما من التفاوت، ما يكون بين الممكن و المعجز، الا ترى أنّ العارف باللغة و الفصاحة منّا يفصل بين شعر الطبقة العليا من الشعراء و بين شعر المحدّثين بأوّل نظر، و لا يحتاج في معرفة ذلك الفصل و الفرق إلى الرجوع إلى من تناهى في العلم و بالفصاحة، و قد علمنا أنّه ليس بين هذين الشعرين ما بين المعتاد و الخارق للعادة.
إذا ثبت هذا و تقرّر و كنّا لا نفرق بين بعض قصار السور و المفصّل و بين أفصح شعر العرب و أبدع كلامهم و لا يظهر لنا التفاوت بينهما الظهور الذي قدّمناه، فلما ذا حصل لنا الفرق القليل و لم يحصل الكثير؟ و لم ارتفع اللبس مع التقارب و لم يرتفع مع التفاوت؟
فإن قيل: الفرق بين أفصح كلام العرب و بين القرآن موقوف على متقدّمي الفصحاء الذين تحدّوا به.
قلنا: لو وقف ذلك عليهم مع التفاوت العظيم، لوقف ما دونه عليهم أيضا.
و معلوم خلاف ذلك.
فإن قال قائل: غير مسلّم أنّ الواحد منّا يفصل و يفرق بين أشعار الجاهليّة