المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٥٥
قلنا: هذا السؤال أيضا لا يتوجّه على أصحاب الصرفة، لما ذكرناه عنهم، من أنّه كان مثل ذلك في الفصاحة في كلامهم و خطبهم، و إنّما صرفوا عنه في المستقبل، فعلى هذا لا معنى لكونه أفصح.
و من جعل جهة الإعجاز فرط الفصاحة، يمكنه أن يقول: كونه أفصحهم لا يمنع من أن يقاربوه و يدانوه في الفصاحة، و هو الذي كان مطلوبا منهم، على ما جرت به عادتهم، فانّ الأفصح يقاربه من هو دونه في الفصاحة، بل ربما يزداد عليه في القليل من كلامه، اللهمّ إلّا أن يدّعوا بلوغ زيادته عليهم في الفصاحة حدّا خرق العادة و نقضها، فيكون فيه تسليم ظهور خارق للعادة من جهته تعالى عليه، و هو تخصيص اللّه تعالى إيّاه بالعلوم التي بها تمكّن من مثل تلك الفصاحة، و في ذلك تسليم صدقه في دعواه النبوّة و هو المقصود.
على أنّ كونه أفصح، إنّما يمنع من مساواته في جميع كلامه أو أكثره، و لا يمنع ذلك في مساواته في القليل منه بهذا جرت العادة. و لأجل هذا يتفق من المتأخّرين الذين هم في الفصاحة دون المتقدمين الذين هم في الطبقة العليا بطبقات من البيت و البيتين و الكلمة و الكلمتين ما يكون في الفصاحة مثل كلامهم، بل ربما كان أفصح و إذا كان هذا هو المعتاد و التحدّي وقع بسورة في القرآن من السور القصار، فكان يجب أن يقع منهم معارضة سورة من السور القصار و إن لم يبلغوا حدّه في الفصاحة.
و أيضا فلو كان الأمر على ما قدّره السائل، لكانت العرب الذين تحدّوا بالمعارضة يوافقونه على ذلك و يقولون: أنت أفصح منّا، فلا يتأتى منّا ما يتأتى منك، و لا حجّة لك فيما تقوله، فانّهم بذلك كانوا أعرف من غيرهم. فلمّا لم يوافقوه على ذلك دلّ على أنّ ما قدّره السائل باطل.
فإن قيل: إنّما لم يوافقوه على ذلك، لأنّ في ذلك اعترافا له بالفضل عليهم.