المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٥٢
هي مساوية للقرآن أم ليست كذلك؟» فلا يصحّ أن يصرفهم عن المعارضة، إذ هو المطلوب من القوم، و هو أن يأتوا بكلام يشتبه الحال فيه على السامعين فيعتقدون أو أكثرهم أو جمع منهم أنّه مثل القرآن و إن خالف فيه أقوام، على ما هو معلوم من عادتهم في معارضة بعضهم بعضا في لشعر و الخطب، فانّهم ما كانوا يطلبون في ذلك إلّا المقارب دون المماثل المساوي الحقيقي، لأنّ ذلك ينضبط، فكان يجب أن يعارضوه بما اعتادوه و ألفوه. و لو اعتذر عاقل تحدّى بفعل فلم يأت به بمثل هذا العذر، كان غير معذور عند العقلاء.
فإن قيل: إنّهم لم يفهموا ما أراد بمثله و أشكل عليهم المراد بالمثليّة و أنّه هل أريد المماثلة في الفصاحة أو النظم أو الأسلوب أو فيها أو غير ذلك، فلهذا لم يعارضوه، و هذا هو الذي صرفهم عن المعارضة.
قلنا: هذا باطل، لأنّه لو كان كذلك، لوجب أن يستفهموه عن مراده. و لو أنّ أحدا ممّن تحدّاه غيره بشعر أو خطبة أو صناعة تقاعد عن معارضة متحدّيه و اعتلّ بمثل هذه العلّة و اعتذر بمثل هذا العذر، لما قبل هذا العذر منه عاقل و لذمّه كلّ من سمعه و يقول: فكان من حقّك أن تستفهم من تحدّاك عن مراده بالمثليّة.
و على أنّ هذا باطل من وجه آخر، و هو أنّ تحدّي بعضهم بعضا في الشعر و الخطب كان معروفا، معهودا فيما بينهم، و هو أنّ المطلوب فيه المساواة في الفصاحة و النظم و الأسلوب و الوزن و القافية في الشعر و الاسجاع في الخطب، فكيف اشتبه الأمر عليهم فيه و بعد، فانّ القرآن إذا لم يكن معجزا عندهم فلا يتعذّر معارضته من كلّ وجه، فكان يجب أن يعارضوه من كلّ وجه.
فإن قيل: إنّهم عوّلوا على انّ في اشعارهم و خطبهم ما يقارب القرآن في فصاحته أو يفضله، و أنّ ما يستأنف منه لا يزيد على ما تقدّم، و يجري ذلك مجرى من تحدّى غيره بالعجز عن الحركة و هو ماش.