المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٥٠
فما لا يحتفل به كيف يقال فيه هذه الأقاويل و لقد بلغ من شدّة اهتمامهم بأمر القرآن عند سماعه أن اجتمعوا و تشاوروا في أمره، فقال أبو جهل و الملأ من قريش: «قد التبس علينا أمره فعليكم برجل يعرف السّحر و الكهانة و الشعر».
فقال عتبة بن ربيعة: «أنا لذلك، فأتى النبيّ عليه السلام، فقال: «أنت يا محمّد خير أم هاشم، أنت خير أم عبد المطّلب، أنت خير أم عبد اللّه، فبم تشتم آلهتنا و تضلّل اباءنا؟ فإن كان بك الرئاسة سوّدناك، و إن كان يك الباءة زوّجناك، و إن كان بك المال أغنيناك».
فلمّا فرغ من كلامه، أمره النبيّ صلى اللّه عليه و آله، بالاستماع، و قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ، قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيراً وَ نَذِيراً، فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ- حتى انتهى إلى قوله تعالى-: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ».
فلمّا سمع عتبة ذلك امتلأ صدره حيرة و رعبا، فناشده بالرحم أن يكفّ ثمّ قام يمشي والها دهشا قد سقط طرف ردائه، ما يشعر به.
فقال قائلهم: «كفّوا ثوب سيدكم». ثمّ اجتمع إليه أبو جهل و الملأ، فقال عتبة: و اللّه لقد جاءكم بشيء ما هو بشعر و لا كهانة و لا سحر، و لقد جاءكم بأمر عظيم، ثمّ قرأ ما سمع و أخبرهم أنّه ناشده أن يكفّ و قال لهم: قد تعلمون أنّ محمّدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب».
أ فيقال في مثل هذا الكلام إنّهم لم يحتفلوا بهذه القصّة. أوردها صاحب كتاب الايجاز في بيان إعجاز القرآن.
و في الجملة معلوم انّه إن لم يكن القرآن ناقضا للعادة بفصاحته، فانّه ليس بدون كلام أفصحهم، فكيف يقال: لم يحتفلوا؟ و بعد، فلو كانوا غير محتفلين به عليه السلام لما قاتلوه و لما هجوه، و لو لم يحتفلوا به في بدو الأمر لكانوا يحتفلون به
المنقذ من التقليد ج١ ٤٥١ [المسألة الثالثة]: القول في نبوة نبينا محمد صلى الله عليه و آله ..... ص : ٤٤١