المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٤٩
أمّا الديني فغير متصوّر، لأنّهم ما كانوا يتديّنون بفرض [١] طاعة و ترك معارضة، بل كانوا معتقدين لضدّ ذلك أو نقيضه.
و أمّا الدنياويّ فهو الرغبة أو الرهبة بأن يقال: كانوا يرهبونه و يخافون جانبه إن عارضوه أو يرغبون في ترك معارضته، لاعتقادهم أنّهم يصلون بسبب ذلك الترك إلى نفع عظيم في الدنيا عاجل أو آجل.
و معلوم أنّهم ما كانوا يرهبونه خاصّة في مدّة مقامه بمكة، بل كان هو عليه السلام الخائف منهم في تلك المدّة، و بعد هجرته- عليه السلام- من مكّة أيضا ما كانوا خائفين منه في بلادهم في غالب أحوالهم.
و أمّا الرغبة، فظاهر أيضا أنها كانت من جهتهم في المعارضة لا في تركها، إذ بها كانوا يتوسّلون إلى أغراضهم و مقاصدهم من إبطال أمره و توهين شأنه لا بتركها، و هذا ممّا لا يخفى على عوامّ الناس، بل و لا على صبيانهم. الا ترى أنّ صبيّا لو قال: أنا أشيل هذا الحجر أو أطفر هذا الجدول و أنت لا تقدر على ذلك لكانت رغبة ذلك الصبيّ الآخر في إشالة ذلك الحجر أو طفر ذلك الجدول، لا في ترك ذلك، لعلمه بأنّ دعواه إنّما تبطل بإشالة الحجر أو طفر الجدول.
فإن قيل: فلعلّهم لم يحتفلوا به أو بالقرآن، لقصوره في الفصاحة عندهم فكان هذا هو الذي صرفهم عن المعارضة.
قلنا: المعلوم خلاف ما ذكر في السؤال. كيف يقال لم يحتفلوا به؟ مع علمهم بأنّه من أجلّ قبائلهم و أرأس عشائرهم و مع شهرته عليه السلام عندهم بالسداد و الأمانة حتّى لقبوه ب «بالأمين» و كيف يقال: لم يحتفلوا بالقرآن لقصوره عندهم في الفصاحة، و قد بلغ من إعجابهم بالقرآن أن شبّهوه بالسحر و قد قالوا فيه: «إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ» [٢] و «إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» [٣]
[١] م: بغرض.
[٢] ص: ٧.
[٣] الانعام: ٢٥، المؤمنون: ٨٣.