المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٤٢
قلنا: أمّا أنّ القرآن ظهر عليه و لم يسمع قبله، فلا ينازع فيه إلّا جاحد، مثل الذي ينازع في دعواه النبوّة و الذي ينازع في وجوده. و أمّا انّه عليه السلام تحدّى العرب به فيتبيّن ببيان حقيقة التحدّي و معناه. و ذلك لأنّ معنى التحدّي في العرف هو تحريض المدّعي، لاختصاصه و تميّزه بامر غيره على أن يأتي بنظير ذلك الأمر إن قدر عليه و أمكنه، و الغرض به إظهار قصوره و عجزه عن ذلك كما يقول أحدنا لغيره: أنا أطفر هذا الجدول أو أشيل هذا الحجر و أنت لا تقدر على ذلك فيحرضه بهذا القول على تعاطي ذلك الطفر أو تلك الإشالة و غرضه إظهار قصوره و عجزه بما ادّعى اختصاصه به. و هو تفعّل من الحداء، و هو حثّ البعير و تعريضه على السير بالنغمات و قول الشعر.
إذا ثبت و تقرّر معنى التحدّي، فلا شك في أنّ هذا المعنى كان من النبيّ عليه السلام، إذ كلّ من عرفه و عرف دعواه النبوّة و ظهور القرآن عليه، عرف أنّه عليه السلام كان يفخر بالقرآن و يدّعي تميّزه به عنهم و أنّ اللّه تعالى أنزله عليه و خصّه به، و كلّ هذا يبعث و يحرّض العدوّ على مساواته فيما يعجز به و يدّعي التميّز لأجله فثبت و تحقّق أنّه تحدّاهم بالقرآن. و بعد، فآيات التحدّي موجودة في القرآن مفصلة. و هي قوله تعالى: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» [١] و قوله تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» [٢]، و قوله: «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» [٣]، و قوله: «فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ» [٤].
فإن قيل: ما يؤمنكم من أن تكون هذه الآيات زيدت في القرآن فلا يصحّ
[١] الاسراء: ٨٨.
[٢] الطور: ٣٤.
[٣] البقرة: ٢٣.
[٤] هود: ١٣.