المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٤
فإن قيل: أ فليس الموجودات كلّها مشتركة في الموجود و هي مختلفة في حقائقها؟ فكيف يكون وجود الشّيء حقيقته.
قلنا: إنّما اشتركت الأشياء في أنّ كلّ واحد منها حقيقة معيّنة، و لا يقتضي أمرا زائدا على حقيقتها يبيّن ما ذكرناه أنّ مثل هذا الاشتراك ثابت في الصفات، لأنّ الأحوال كلّها مشتركة في أنّها صفات و هي مختلفة في حقائقها، و لا يدلّ ذلك على أنّ كونها صفات زائدة على حقائقها، كذلك ما ذكره السائل.
قالوا: السواد و البياض متنافيان على المحلّ، و الشرط في منافاة السواد.
للبياض حلوله في محلّه. و كذا القول في منافاة سائر المتنافيات على المحلّ و الحلول المرجع به إلى الوجود، فلو كان وجود السواد نفسه لكنّا قد جعلنا الشيء مشروطا بنفسه، كأنّا قلنا أنّ السواد إنّما ينافي البياض، بشرط أن يكون سوادا، و هذا محال.
قلنا: ليس الحلول عندكم مجرّد الوجود و لا عند أحد و إلّا لزم في كلّ وجود أن يكون حلولا، و إنّما هو كيفيّة الوجود، فعندكم أنّها كيفيّة الحالة تسمّونها وجودا، و عندنا هي كيفيّة للذّات و لا يمتنع ثبوت كيفيّة لغير الحالة الّتي تسمّونها وجودا.
و بيانه: أنّ حصول الجوهر في جهة كيفيّة لكونه متحيّزا لا لوجوده، لا يشغل الجهة و لا يتخصص بجهة لوجوده عندكم فثبت أنه يتصوّر الكيفية لغير حالة الوجود. فإذن حلول السّواد في محلّ البياض الذي هو شرط في منافاته له إنّما هو كيفيّة لذات السواد، و ليس هو مجرّد الذات كما عندكم، إنّما هو كيفيّة الوجود، و ليس المرجع به إلى مجرّد الوجود.
قالوا: قد علمنا ضرورة أنّ المعلوم لا يخلو إمّا أن يكون معدوما أو موجودا.
و هذا يقتضي أن يكون الوجود زائدا على حقيقة الشيء، لأنّه لو كان المرجع لوجود الشيء إلى حقيقته لكان التقسيم أزيد من هذا، بأنّ يقال: المعلوم إمّا