المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤١١
و يكون كذبه ذلك أيضا صغيرا، و في ذلك جواز ظهور المعجز على كاذب في دعوى النبوّة.
و الجواب عن ذلك أن نقول: غير مسلّم إجماع الامّة على الامتناع من الحكم بشهادة واحد، أيّ واحد كان. بل هذا الإجماع إنما انعقد في شهادة واحد إذا كان ذلك الواحد من المعدّلين في الظاهر أو ممّن لم يعدّل جملة فأمّا إذا فرضنا ذلك الواحد نبيّا أو معصوما أو غيره أو من صدّقه اللّه باظهار المعجز عليه، فلا إجماع فيه، إذ عند أصحابنا الإماميّة أنّه يجب الحكم بشهادته، لأنّ غاية ما يقتضيه شهادة العدلين الظنّ و ما فرضنا القول فيه مقتضى العلم، و العمل على العلم أولى من العمل على الظنّ، و إنّما تعبدنا الشارع بالعمل على ما طريقه الظنّ حيث تعذّر علينا تحصيل العلم.
ثمّ و لو سلّمنا هذا الإجماع مطلقا تسليم جدل و تجاوزنا عن هذه المناقشة، لكان لنا أن نقول له: إنّهم إنّما أجمعوا على الامتناع من الحكم بشهادة الواحد مع القطع على كونه مصيبا، لأنّهم اتّبعوا في ذلك مورد الشرع، و إنّما ورد الشرع بذلك لمصلحة فيه لا نقف نحن عليها، فلا يدلّ عدم الحكم بشهادة الواحد، على أنّ ذلك الواحد ليس ممّن يجوز ظهور المعجز عليه و يقال له: و يجوز أن يكون ذلك الواحد، مع تجنّبه المعاصي و الكبائر ساعيا أو غالطا في شهادته، فلا يجوز الحكم بشهادته لجواز ذلك عليه.
و سقط بما ذكرناه قوله: «لو جاز أن لا يكون مصيبا لجاز أن يكون كاذبا في دعوى النبوّة و يكون ذلك الكذب صغيرا» لأنّا قد بيّنا انّه يتصوّر أن يكون مصيبا و لا يجب الحكم بشهادته لورود الشرع بذلك، و على أنّه إذا ادّعى النبوّة فقد ادّعى على اللّه تعالى أنّه بعثه، فمتى كذب في ذلك على اللّه لم يصحّ أن يكون صغيرا عند أحد فلا يجوز إظهار المعجز عليه.
فأمّا إظهار المعجز إرهاصا لنبوّة من سيبعثه تعالى من بعد، ففي شيوخ بغداد