المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤١٠
و بم تنكرون على من يقول إنّه دليل صدق الدعوى التي يطابقها بالأصالة، و إنّما يعلم نبوّة المدّعي لها عند ظهور المعجز عليه ضمنا على ما تكرّرت الإشارة إليه؟
و ممّا يبطل قولهم: «النبيّ إنّما يبين عن غيره بالمعجز، فلا يجوز ظهوره على غير النبيّ»، انّ نبيّا لو نصّ على نبيّ آخر، لعلم بذلك نبوّة النبيّ الثاني و إن لم يظهر عليه معجز، فكيف يقال: «لا يبين النبيّ عن غيره إلّا بالمعجز».
و ممّا تعلّقوا به قولهم: لو جاز ظهوره على صادق أو صالح غير نبيّ لخرج عن كونه دلالة النبوّة و لما أمكننا الاستدلال به على نبوّة النبيّ، من حيث أنّه إذا ظهر على نبيّ جوّزنا أن يكون صالحا غير نبيّ.
و الجواب عنه أن نقول: إذا ادّعى النبيّ النبوّة فأظهر اللّه تعالى عليه المعجز، علمنا بذلك أنّه صادق في دعواه، فلا نجوّز أن يكون غير نبيّ، لأنّه لو لم يكن نبيّا لكان كاذبا في دعواه، و القديم لا يصدّق الكاذب، و لأنّ المعجز يقتضي كرامته، و الكاذب لا يكرمه تعالى عقيب كذبه، فكيف يلزمنا أن لا يمكن الاستدلال به على نبوّة النبيّ.
فإن قيل: فبما ذا تفصلون بين ظهوره على نبيّ و على صالح؟
قلنا: بدعوى النبوّة، لأنّ الصالح أو الصادق الذي هو غير النبيّ لا يدّعي النبوّة و النبيّ هو الذي يدّعيها. فإذا ظهر المعجز عليهما، علمنا كونهما صادقين، إلّا أنّ صدق أحدهما يتضمّن نبوّته و صدق الآخر لا يتضمّن نبوّته، فينفصل بذلك أحدهما عن الآخر.
فأمّا ابن الأخشاذ، فانّه يستدلّ على قوله بأنّ السمع منع من ظهور المعجز على غير نبيّ بأنّ الأمّة أجمعت على أنّه لا يحكم بشهادة شاهد واحد، و لو ظهر عليه معجز لوجب أن يحكم بشهادته، لأنّه يكون مصيبا.
قال: و إنّما قلنا إنّه يجب أن يكون مصيبا في شهادته، لأنّه لو جاز أن يكون كاذبا في خبره بالشهادة و يكون كذبه صغيرا لجاز أن يدّعي النبوّة كاذبا