المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٠٩
و سماعها نداء الملائكة و بشارتها بعيسى عليه السلام، و كحصول الرزق عندها في كلّ وقت من عند اللّه من دون واسطة بشر.
و لا يمكن أن يقال: إنّ ذلك كان لأجل زكريّا، و هو نبيّ. و ذلك لأنّه لو كان ذلك لأجل زكريّا لما قال لها: «أَنَّى لَكِ هذا» [١] إذا النبيّ الذي يظهر عليه المعجز يكون أعلم بحاله من غيره، و لأنّه تعالى قال: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ» [٢] و ظاهر هذا الخطاب يقتضي تعظيمها و تشريفها دون غيرها.
فهذه الأمور إن ظهرت على مريم عليها السلام إكراما من اللّه تعالى لها و دلالة على عصمتها و طهارتها ممّا رمتها به اليهود و تصديقا لادّعائها الطهارة حالا أو مقالا، كان فيها بطلان القول بأنّه لا يجوز ظهور المعجز على غير النبيّ و إن كان إرهاصا لنبوّة ابنها عيسى- عليه السلام- كان فيها أيضا بطلان القول بأنّه لا يجوز إظهار المعجز إرهاصا لنبوّة من سيبعث.
و من جيّد ما يقال لهم: إنّه ان صحّ و سلم قولهم: إنّ المعجز دليل النبوّة صار قولهم بطريق الإبانة ضائعا غير محتاج إليه، لأنّه إذا كان دليل النبوّة وجب ثبوت مدلوله أينما ثبت لوجوب الاطراد في الأدلّة كانت دلالتها بطريق الإبانة او بغير طريق الإبانة. و إذا كان كذلك وجب ثبوت النبوّة في كلّ من ظهر عليه المعجز، فلم يجز ظهوره على غير النبيّ.
فتحقّق أنّ قولهم بطريق الابانة لغو ضائع في البين و إذا اقتصروا على القول بأنه دليل النبوّة فيجب اطّراده.
قلنا لهم: هذا القول دعوى منكم غير مسلّمة، لم قلتم إنّه دليل النبوّة تعينيا؟
[١] آل عمران: ٣٧.
[٢] آل عمران: ٤٢.