المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٩٣
فأمّا أن يمنع من الاستفساد جبرا فلا، و لهذا لم يمنع كثيرا من المنحرفين و المشعبذين و أصحاب الشبهات، كماني و الحلّاج و زردشت، من إيراد الشبهات التي ضلّ بها خلق كثير.
فإذا قيل: دعاء هؤلاء المبطلين ليس بمفسدة من حيث انّ القديم تعالى علم من حال من ضلّ بدعائهم أنّه كان يضلّ مع فقد دعائهم.
أمكن أن يقال مثل ذلك فيما يفعله الجنّي بأن يقال: بم تنكرون على من يقول كذلك علم تعالى أنّ كلّ من يضلّ بفعل الجنّي من طفر البحر و نقل الجبل أنّه كان يضلّ، و إن لم يفعل الجنّي ما فعل.
و كذلك إن قيل: إنّ دعاء هؤلاء المبطلين ليس بمفسدة، بل هو معدود في باب التمكين من حيث أنّ المكلّفين كانوا معترضين [١] لثواب زائد مع دعائهم على ما كانوا معرضين له مع فقد دعائهم فلا يكون مفسدة من حيث انّ المفسدة هي ما يقع عنده الفساد، و لو لاه لما وقع و لا يكون تمكينا و لا له حظّ في التمكين.
أمكن أن يقال مثل ذلك فيما يفعله الجنّيّ حذو النعل بالنعل.
و قد قيل في الجواب عن ذلك: إنّ ما لا يدخل جنسه تحت مقدور العباد إنما كان معجزا دالا على صدق المدّعي لكونه خارقا للعادة من حيث انّه لو كان معتادا لم يدلّ على صدق المدّعي، و مهما كان خارقا للعادة قائم فيما يدخل جنسه تحت مقدور العباد. فيجب أن يكون معجزا دالا على صدق المدّعي، لكونه خارقا للعادة. و كونه خارقا للعادة قائم فيما يدخل جنسه تحت مقدور العباد، فيجب أن يكون معجزا دالا على صدق المدّعي من فعل أي فاعل كان إلّا أنّ هذا الجواب ليس بصحيح و ذلك لأنّ كونه خارقا للعادة لا يكفي في هذا الباب، حتّى يعلم أنّه من فعل من لا يجوز عليه تصديق الكذّاب، و إلّا لم يدلّ على صدق المدّعي.
[١] م: معرضين.