المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٨٩
و إنّما قيدناه ثانيا بعادة المكلّفين الذين من ظهر عليه بين ظهرانيّهم، لأنّه لا يجب في المعجز أن يكون خارقا لعادة سائر البلاد. ألا ترى أن الرسول عليه السلام لو جعل دلالة نبوّته سقوط الثلج بأرض تهامة في الصيف الصائف، لصحّ ذلك و لكان دلالة على نبوّته و إن لم يكن خارقا لعادة سائر البلاد و البقاع، إذ لا شكّ في أنّه لا يكون خارقا لعادة أهل جبال دنباوند. و إنّما اعتبرنا أن يتعذّر على العباد الاتيان بجنسه، كإحياء الموتى أو وقوعه على الوجه الذي وقع عليه كطفر البحر و نقل الجبل، ليعلم بذلك انّه من فعله تعالى، فيستدلّ به على صدق المدّعي. و ذلك لأنّه لو لم يكن كذلك لما أمكننا أن نعلم انّه من فعل اللّه تعالى، و لو أمكننا أن نعلم فيما لا يكون كذلك أنّه من فعل اللّه تعالى، لأمكننا الاستدلال به على صدق المدّعي بعد أن يكون خارقا للعادة.
و إنّما اعتبرنا كونه مختصا بالمدّعي على وجه التصديق لدعواه، لأنّه لو لم يكن كذلك كأن يقدّم على الدعوى بزمان، أو يكون نقيض ما التمسه المدّعي، كأن يلتمس المدّعي من اللّه تعالى إحياء الموتى فيميت اللّه عزّ و جلّ سائر الأحياء، لم يدلّ على صدق المدّعي و إن كان خارقا للعادة.
و أمّا ما ذكره السائل أخيرا، فالجواب عنه أن نقول: المعجز يجري مجرى التصديق بالقول كما بيّناه، فلا يجوز أن يفعله تعالى لا للتصديق بل لغرض آخر، و لا يمتنع أن يكون فيه غرض آخر، و لكن لا بدّ من كونه تابعا لهذا الغرض، كما لا يجوز أن يقول له تعالى صدقت و لا يعني به تصديقه. بيان ذلك أنّ الملك في الشاهد لو فعل ما التمسه المدّعي عليه الرسالة ممّا لم تجر عادته به، ثمّ قال عقيبه: ما قصدت بما فعلت تصديقه، لعدّ سفيها و عابثا معميّا في فعله، كما لو قال له: صدقت، ثمّ قال بعده: ما أردت به تصديقه.
فإن قيل: كيف تقولون إنّ المعجز يجري مجرى التصديق بالقول، و القول لا يفيد إلّا بتقديم المواضعة عليه و لا مواضعة في الفعل، فكيف يكون جاريا