المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٨٨
فأمّا ما قالوه قدحا في المعجز، و دلالته من تجويز كونه سحرا و شيئا توصّل بحيلة، فباطل بما ذكرناه في شروط المعجزات و بما سنذكره بعد هذا، إن شاء اللّه، في تحقيق القول في الفصل بين المعجز و السحر و الحيل و وجوهها.
فإن قيل: لم اعتبرتم كون المعجز خارقا للعادة؟ و لم تعدّيتم أوّلا بعادة المكلّفين؟ و ثانيا بعادة المكلّفين الذين من ظهر عليه المعجز بين ظهرانيّهم؟ و لم قلتم إنّه يجب أن يتعذّر على العباد الإتيان بجنسه؟ أو بوقوعه على الوجه الذي وقع عليه؟ و لم اعتبرتم اختصاصه بالمدّعي؟ و لم قلتم: إنّ ما كان كذلك كان جاريا مجرى التصديق بالقول؟ و هلا جاز أن يفعله اللّه تعالى لغرض آخر من مصلحة أو غيرها؟
قلنا: إنّما اعتبرنا كون المعجز خارقا للعادة، لأنّ المعتاد لا يجري مجرى التصديق بالقول. بيان ذلك أنّ الملك لو فعل عند دعوى المدّعى عليه الرسالة ما جرت عادته به كأن يستند على سريره أو يحرّك يده أو يتنفس، فانّ شيئا من ذلك لم يكن تصديقا للمدّعي لما كان ذلك معتادا له. و لكنه لو ناوله خاتمه أو فعل فعلا آخر لم تجر عادته به، لكان ذلك تصديقا للمدّعي لما كان ذلك غير معتاد له؛ كذلك في مسألتنا ما يكون خارقا للعادة من جهته تعالى يكون جاريا مجرى التصديق بالقول، و ما لم يخرق العادة لم يجر مجراه، و لهذا لا يمكن الاستدلال بطلوع الشمس من مشرقها على صدق المدّعي كما يمكن بطلوعها من مغربها أن لو طلعت و إنّما قيدناه بعادة المكلّفين، لأنّ عند زوال التكليف و ظهور أشراط القيامة، يفعل اللّه تعالى ما يخرق العادة فيه و لا يكون ذلك جاريا مجرى التصديق، كانفطار السماء، و انتثار الكواكب و تسيير الجبال و تكوير الشمس و ما أشبهها، على ما ذكره جلّ و علا في قوله: «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ. وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ» [١]. الآيات، و في قوله تعالى: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» [٢].
[١] الانفطار: ١- ٢.
[٢] التكوير: ١.