المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٨٦
الّا أنّ من الممكن أن يقال: و الإمام المعصوم الذي علمتموه على الجملة بما ذا علم نبوّة ذلك الشخص حتى قال بنبوّته؟ فإن قلتم بقول إمام آخر، عرفه هو أيضا على الجملة، قلنا: الإمام الأول بما ذا عرف نبوّته؟ فلا بدّ من أن يقال عرفها إما بمعجزة ظهرت عليه أو بنصّ من يستند منه إلى معجزة.
و الجواب عنه أن نقول: الأمر و ان كان على ما ذكرناه إلّا أنّ المستند [١] بالإجماع الذي علم أنّ فيما بينهم معصوما على الجملة لا يحتاج في استدلاله ذلك إلى أن يعتبر أنّ المعصوم بما ذا علم نبوّته بخلاف من يستدلّ بنصّ نبيّ آخر على صدق النبيّ الثاني لأنّه إن لم يعتبر ظهور المعجز على النبيّ الأوّل لم يعلم بقوله و بنصّه نبوّة النبيّ الثاني، فصحّ ما قلته من أنّ المستدلّ بالإجماع على صدق النبيّ لا يستند استدلاله إلى معجز.
و قد قال بعض الفلاسفة: إنّ الطريق الموصل إلى الثقة و اليقين بكون النبيّ نبيّا إنّما هو أن يعرف مطابقة شرعه للمصلحة دون المعجز، لأنّ المعجز لا يوصل إلى اليقين بنبوّة النبيّ لتجويز أن يكون سحرا و شيئا توصّل إليه بحيلة.
قالوا: لأنّ من ادّعى صنعة من الصنائع فطريق معرفة صدقه أن يأتي بها على وجهها، الا ترى أن رجلين لو ادّعيا حفظ القرآن ثمّ قرأه أحدهما و الآخر لم يقرأه و لكن أحيا ميّتا دلالة على حفظ القرآن لكان علمنا بصدق من قرأه أقوى منه بصدق من أحيا الميّت.
فيقال لهم: إنما نعلم أن من قرأ القرآن ظاهرا صادق في دعواه حفظ القرآن و نثق بقوله، لأنا نعلم القرآن، و قد تقدّم علمنا به، فبذلك نعلم أنه صادق في دعواه الا ترى أنّ من لم يتعلّم القرآن و لم يسمعه لا يعلم بقراءته تلك أنّه صادق، فبأيّ طريق نعلم مطابقة الشرع للمصلحة؟ أبا لعقل نعلم أم بقول الرسول؟
[١] م: المستدل.