المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٧٨
و أمّا قوله: «العقل كاف في العقليّات»، فالجواب عنه أن نقول: نحن لم نجوّز البعثة، لمجرّد تأكيد العقليّات، و إنّما جوّزناها أن لو علم اللّه تعالى انّها لطف للمكلّفين و انّهم يختارون عند البعثة من الطاعات ما لا يختارون عند فقد البعثة، و هذا لا يكفي فيه العقل.
و أمّا الفرق بين الطعوم المغذية و بين السموم المتلفة، فانّه و إن أمكن التوصّل إليه بالتجربة، الّا أن الزمان يطول فيها، و ربما يهلك كثير من الناس فيها.
ثمّ الجواب عنه ما سبق. و هو: أنّ قيام بعض الأفعال مقام البعض لا يوجب قبح ذلك البعض.
و أمّا الفائدة في اللغات فظاهرة، و ذلك لأنّ أحدنا يحتاج إلى أن يخبر عنه عمّا في ضميره، و لا يمكنه ذلك إلّا بالكلام أو ما يجرى مجراه، و لا يفيد الكلام إلّا بالمواضعة أو التوقيف، و إمكان التوصّل إليها بالمواضعة و التعلّم من أهلها لا يوجب قبح البعثة لها، لما تكرّرت الاشارة إليه.
و أمّا قوله: «لم لا يجوز أن تكون البعثة مفسدة؟» فالجواب عنه أن نقول:
المفسدة هي ما يقع عنده الفساد و لو لاه لم يقع. و لا يكون تمكينا و لا له حظّ في التمكين، و البعثة من باب التمكين، لأنّ المكلّفين عندها يتمكّنون من معرفة مصالحهم و مفاسدهم، و لو لا البعثة لما تمكّنوا منها.
و أمّا ما ذكره أخيرا فالجواب عنه أن نقول: وجوه القبح هي ما أشرنا إليه، و ليس هاهنا وجه زائد عليها. و الذي يبين ما ذكرناه و يوضحه أنّا نعلم و كذا كلّ عاقل حسن الفعل الذي انتفت عنه هذه الوجوه متى حصل فيه غرض المثل. فلو كان فيها وجه زائد على ما ذكرناه لما علمنا ذلك. و لو لم نراع هذا الأصل للزمنا تجويز قبح ردّ الوديعة و قضاء الدين و شكر المنعم و إن انتفت عنها هذه الوجوه لتجويزنا ثبوت ذلك الوجه المدّعى في هذه الواجبات، و قد علمنا خلاف ذلك.