المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٧٥
الأغراض الصحيحة التي أشرنا إليها، فإن لم تتعرّ من وجوه القبح لم تكن حسنة، فنحن نقرّ بأنّ البعثة إذا كان فيها وجه قبح قبحت و لم تحسن.
و غرضنا بما أوردنا بيان أنّ جنس البعثة ممّا لا يجب أن يكون قبيحا على كلّ حال.
ثمّ إنّا نقول: وجوه القبح معقولة مظبوطة محصورة. و هي مثل كون الفعل ظلما أو كذبا أو عبثا أو مفسدة أو تقديم مفضول على فاضل فيما هو أفضل منه فيه، و جميع هذه الوجوه منتفية عن بعثة الأنبياء، صلوات اللّه عليهم.
فإن قيل: قولكم: «الغالب الظاهر فيما يكون غرضا في بعثة الأنبياء إنّما هو تعريف المكلّفين مصالحهم و مفاسدهم»، كيف يصحّ؟ و قد علمنا أنّ اكثر ما يأتي به الأنبياء- عليهم السلام- من الشرائع و التعبدات مستنكرة مستقبحة في العقول، مثل رمي الجمار و الهرولة و السعي و الطواف بالبيت و التطأطؤ في الصلاة و الركوع و وضع الجبين على الأرض في السجود و ذبح البهائم. فأنّ جميع ما أشرنا إليه مستقبحة مستنكرة في العقول. ألا ترى أنّ العاقل إذا رأى واحدا يفعل مثل هذه الأفعال ذمّه و وبخه عليها. و من مذهبكم أنّ ما حصل فيه وجه من وجوه القبح يقبح و لا يحسن و إن حصل فيه كثير من وجوه الحسن. ثمّ لو تجاوزنا عن ذلك، لم لا يجوز أن يتوصّل إلى معرفة هذه المصالح و المفاسد من جهة اخرى غير جهة الأنبياء؟
فأمّا استحقاق العقاب و دوامه و دوام الثواب، فلم لا يجوز أن يتوصّل إلى معرفتها من جهة العقل؟ و كذلك القول في معرفة الوحدانيّة و المسائل التي ذكرتموها، لأنّها ممّا يمكن أن يتوصّل إليها أيضا من جهة العقل و أدلّته.
فلا حاجة في معرفتها إلى الأنبياء.
و أمّا تأكيد العقليّات فلا يصحّ أن يكون غرضا في البعثة، لأن العقل فيها كاف.