المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٦٦
القول في الصلاة إلى جهة الكعبة. فالرجوع في جميع ذلك إلى استفتاء القلب و الأخذ بما يقع فيه، و لا يلتفت إلى التجويز المشار إليه، هذا هو حكم العقل و الشرع، إذ تحصيل اليقين في امثال ذلك غير ممكن لنا.
ثم يقال لهم: ما تقولون لو علمتم أنّ ما تأخذونه على وجه الصدقة مغصوب؟
أ يحلّ لكم أخذه أم لا يحلّ إلّا إذا غلب في ظنّكم انّه ملك المصدّق به؟
إن قالوا بالأوّل، قلنا: كيف يحلّ لكم أخذه و أنتم تعلمون انّه ملك غيره و أنّ التصدّق به محظور؟، و لو جوزتم ذلك فجوّزوا السرقة و قطع الطريق. فما في أيدي الناس حلال لكم أخذه بأي وجه توصّلتم إلى أخذه محرّما كان أو غير محرّم.
و إن قالوا بالثاني، و هو أن يغلب على ظنهم [١] حلّه و أنّه ملك المتصدّق به، قلنا: فاقبلوا منّا مثله في تمييز الحلال من الحرام، و لا توجبوا تحريم الاكتساب.
و الوجه الثاني ممّا تعلّقوا به: أن قالوا في الاكتساب تقوية الظلمة بما يأخذونه من الضرائب و الأعشار و الأخرجة و تقويتهم و مئونتهم محرّمة محظورة.
و الجواب عن ذلك: أن لا نقصد بالمكاسب تقويتهم و معونتهم، و إنما نقصد به انتفاعنا، و لا يؤاخذ الانسان بما لم يقصده و ما يأخذونه بمنزلة اختطاف الذئب الشاة من قنية الغنم في أنّه لا يحرم اقتناؤها.
ثمّ يقال لهم انّ الظلمة يتمكّنون من أخذ ما تأخذونه على جهة الصدقة منكم ظلما، فيجب عليكم الامتناع من أخذ الصدقات، لأنّ في ذلك تقوية للظلمة و معونة لهم.
و اعلم أنّ هؤلاء الكسلة جعلوا ترك التكسّب طريقا إلى التكسّب، كما قيل: ترك الدنيا للدنيا. فكيف يحرّمون التكسّب مع انّهم يتوصّلون بترك التكسّب من طرقه المعروفة، كالتجارة و الصناعة و الوساطة و غيرها، الى التكسب
[١] م: ظنّه.