المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٦٤
رزقه. و كان ما أحلّ اللّه لك من حلاله أولى لك، لو كنت تقدّمت إليك لنكلت بك، قم، فتب إلى اللّه تعالى، أمّا إنّك إن قلت بعد هذه التقدمة شيئا ضربتك ضربا وجيعا و حلقت رأسك مثلة و نفيتك من أهلك، و أحللت سلبك نهبة لفتيان المدينة [١].
إذا ثبت و تقرّر أنّ الرزق ما ذكرناه فاعلم أنّ كلّ شيء يصحّ انتفاع الحيوان به و ليس لغيره منعه منه، فهو رزقه من قبله تعالى لأنّه الخالق له و الممكّن من الانتفاع و الحاظر على غيره منعه من ذلك الانتفاع، و قد يفعل تعالى ذلك فضلا منه من غير أن يكون في ذلك لطفا و قد يفعله بأن يكون فيه لطف.
و ما ذكرناه، من أنّ الرزق من قبله تعالى مطّرد في جميع أنواع الرزق حتّى انّ أحدنا لو وهب لغيره طعاما و مالا، فاللّه تعالى هو الرزّاق بذلك الرزق من الوجه الذي ذكرناه. و هو أنّه الخالق له و الممكن من الانتفاع به باعطاء القدرة و الآلة و الشهوة، و قد يضاف إلى الواهب أيضا ذلك من حيث أنّ له أيضا حظا في ذلك التمكين يرفع المنع من جهة إباحته و يمكّنه إيّاه إلّا أنّ الأصل في التمكين هو ما فعله تعالى، على ما بيّناه و أيضا فانّه تعالى هو الذي مكّن الواهب من التصرّف في ذلك الشيء و من هبته له و رغبه فيها. فاضافته إليه تعالى آكد و ارجح بكثير منها إلى الواهب.
و اعلم أنّه يتصوّر في مباشرة الأسباب الموصلة إلى الرزق التي عرف حلّها و اباحتها بالعقل و الشرع ضروب من المصالح، أدناها أن يعتبر العاقل بأنّه لا يصل إلى المنافع الدنيويّة التي هي فانية غير دائمة إلّا بكدّ و مشقّة، فكيف يصل إلى ملك الآخرة و منافعها الدائمة من دون تحمّل مشقّة.
و اعلم أنّ قوما من أهل الكسل حرّموا المكاسب المعروفة، و قالوا: الواجب
[١] سنن ابن ماجة: ج ٢ ص ٨٧٢ ح ٢٦١٣. مع اختلاف في السند و المتن.