المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٥٩
القتل، لأنّه لا يحلّ للقاتل قتله، لقطعنا على موته لو لم يقتله فيكون ظالما بقتله مسيئا إليه، لأنّه الذي تولّى إبطال حياته من دون أن كان له ذلك، ألا ترى إنّ زيدا لو قتل عمروا من غير استحقاق، لكان ظالما له مسيئا إليه، و إن أعلمنا اللّه تعالى أنّه لو لم يقتله زيد لقتله خالد في ذلك الوقت. فتبيّن أنّه لا يلزم على المذهبين جميعا أن يكون القاتل و الذابح ظالمين مسيئين.
فإن قيل: ما تقولون لو علم تعالى أنّه لو لم يذبح شاة، فانّه عزّ و جلّ يميتها؟
أ يكون محسنا إليه يذبحها؟ أم يكون مسيئا إليه بذلك و يلزمه العوض أم لا؟
قلنا: إذا لم يعلم لا الذابح و لا المالك أنّه تعالى يميتها فانّه يكون مسيئا إليه غير محسن؟ لأنّه فوّت على المالك غرضه، و هو أن لا يتصرّف غيره في ملكه، و علمه تعالى بانّه يميت الشاة لا يخرج فعله عن أن يكون اساءة إليه، كمن غمس غيره في بحر قعير على درّة ثمينة فأخذها و سلّم، فانّه لا يكون الغامس محسنا إليه، من حيث أنّه ما قصد نفعه و إن انتفع بفعله، و يلزم الذابح عوض الغمّ الذي أوصله إلى قلب مالكه بتصرّفه في ملكه بغير إذنه، و لكن لا يلزمه عوض النفع الزائد المقدّر الذي كان يصل إلى مالكها بسمنها و الزيادة في لحمها لو بقيت حيّة، لأنّه ما فوّت على المالك تلك المنافع على التقدير الذي قدرناه.
و كذا نقول في الظالم الذي يقتل من علم تعالى أنّه كان يميته لو لم يقتله: إنّ مقتوله إنّما يستحقّ عليه من العوض ما يقابل إيلامه له و إدخال الغمّ عليه قبل القتل، و لا يستحقّ عليه عوض تفويت المنافع المقدّرة التي كانت تصل إليه لو عاش، لأنّ القاتل لم يفوّته تلك المنافع و الحال ما وصفناه فأمّا إذا علم الذابح و المالك بخبر صادق أنّه تعالى مميت الشاة لو لم تذبح، فانّ الذابح يكون محسنا إلى المالك إن قصد به الإحسان إليه، و لا يلزمه عوض بذلك إلّا أن يكون على المالك في ذلك مضرّة، كأن يلحقه أنفة و غمّ بتصرّفه بالذبح في شاته