المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣١٩
فقط، جرى مجرى من استأجر أجيرا، ليغترف الماء من الفرات و يصبّه في الفرات أيضا، لا لغرض سوى نفع الأجير بالأجرة. فكما أنّ ذلك عبث، فكذلك ما ذكرناه.
فوجب أن يكون في الألم لطف لا يحصل من دونه ليتنزّل منزلة من استأجر أجيرا باجرة مثله ليستقي الماء من الفرات فيصبّه في إناء لمقعد في أنّه بالاجرة يخرج من كونه ظلما و بنفع المقعد من كونه عبثا.
فإن قيل: إنّما يقبح من أحدنا استعمال الأجير فيما لا يكون له غرض، سوى نفع الأجير بالأجرة، لا لانّه عبث، بل لأنّه فوّت نفسه الشكر و المدح اللذين كان يستحقّهما لو نفعه ذلك النفع من دون تحميله تلك المشقّة.
قلنا: لو كان تفويت الشكر و المدح قبيحا، لوجب فيمن يمكنه أن يتفضّل على غيره إذا لم يتفضّل عليه أن يستحقّ الذمّ، لأنّه فوّت نفسه الشكر و المدح اللذين كان يستحقّهما لو تفضّل عليه. و هذا يوجب أن يستحقّ أكثر الناس الذمّ، لقدرتهم على التفضّل على الغير ممّا يتسرّ لهم، مع أنّهم لم يفضّلوا به عليه، و أن يستحقّ- تعالى عن ذلك علوّا كبيرا- الذمّ من حيث أنّه لم يتفضّل على خلقه بجميع ما في مقدوره.
ثمّ نقول: و ليس في هذا السؤال نصرة لمذهب أبي عليّ، إذ فيه لزوم أن يقبح منه تعالى الإيلام لمجرّد العوض لثبوت هذا الوجه فيه، و هو تفويت الشكر و المدح. و ذلك إبطال لمذهبه، لا نصرته و تصحيحه.
فإن قيل: تقويت الشكر و المدح إنّما كان يلزم لو أمكن إيصال ذلك النفع على ذلك الوجه إلى المؤلم من دون ألم. و لكن ذلك غير ممكن، لأنّ النفع المستحقّ الذي له المزيّة على المتفضّل به من عند أبي عليّ لا يمكن إيصاله من دون ألم.
قلنا: فعلى هذا يلزم حسن ما قد علمنا قبحه من استعمال الأجير فيما