المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٠٩
و ممّا يبطل قولهم و قول البكريّة و أصحاب التناسخ أيضا- حيث قالوا:
الألم لا يحسن إلّا للاستحقاق- أنّ العقلاء كما يستحسنون ذمّ المسيء فيستحسنون فقصدّ أنفسهم و شرب الأدوية البشعة و كذا فصد من كون عليه من الأولاد و العبيد و سقيهم الأدوية الكريهة إذا رجوا بذلك دفع الأمراض، و كذا يستحسنون إتعاب أنفسهم و أولادهم في طلب العلوم و الآداب و الأرواح في الأسفار و التجارات، رجاء أن يصلوا بذلك إلى منفعة. و الرجاء هو ظنّ وصول نفع إلى الظانّ أو اندفاع ضرر عنه. و إذا حسن ذلك مع ظنّ المنفعة و دفع المضرّة، فلأن يحسن مع العلم بذلك أولى. و كذا يعلمون أنّ الألم الواقع على وجه الموافقة ليس بقبيح، بل هو حسن. كأن يقصد زيد إلى قتل عمرو فيدفعه عمرو عن نفسه، فيؤول دفعه إلى الإضرار بزيد، إمّا بالقتل أو بدون القتل.
و لا يمكن الشيخ أبا عليّ أن يستدلّ بهذا الوجه على البكريّة و التناسخيّة، لأنّه يذهب إلى أنّ هذا الألم إنّما يحسن للاستحقاق، قال: إنّ زيدا لما قصد إلى قتل عمرو استحقّ بطلبه نفس عمرو أن يقتله عمرو. فلا يمكنه الاستدلال بهذا الوجه خاصّة على البكريّة و التناسخيّة لأنّهم يقولون بحسن الألم للاستحقاق.
فأمّا أبو هاشم، فانّه يمكنه الاستدلال به عليهم، لأنّه يذهب إلى أنّه إنّما يحسن هذا الألم لوقوعه على وجه الدفع لا للاستحقاق، لأنّه لو كان وجه حسنه الاستحقاق لوجب أن يستحقّه و ان أمسك عن قتل عمرو من غير توبة عنه بعد أن قصد قتله، و المعلوم خلافه من حيث أنّه لو كفّ عن قتله لما استحسن العقلاء إيلامه و قتله و إن لم يتب، و كذا يحسن الألم، الذي يفعله اللّه تعالى، و هو جار مجرى فعل غيره، نحو أن يطرح الإنسان طفلا أو غيره في النار أو الثلج فيتألّم و يموت، فانّ ألمه من فعل اللّه تعالى إمّا مبتدأ أو متولّدا أو يمنع منه إن كان متولّدا لا بتصديق صادق من حيث انّه نقض للعادة و لا يحسن نقض العادة في زمان التكليف لا للتصديق، فانّما حسن ذلك الألم، لأنّه يجري مجرى فعل غيره