المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٠١
عليه لتجرّد الداعي إلى فعلها من دون معارضة صارف، و إن لم يكن في الزيادة عليها مفسدة إلى غير غاية جاز أن يفعل المزيد عليه و جاز أن لا يفعلها، لأنّ من كان له إلى الفعل داع و كان ذلك الداعي قائما في فعل ما يشقّ عليه، فانّه يجري ذلك مجرى الصارف، و يكون ذلك الفاعل متردّدا بين الصارف و الداعي، فتارة يفعل الفعل و تارة لا يفعل. ألا ترى أنّ من دعاه داع إلى أن يدفع درهما إلى فقير و لم يبيّن أنّه يستضرّ بذلك، فانّه يدفعه إليه. فان حضره من الفقراء جمع عظيم لو دفع إلى كلّ واحد منهم درهما لاستنفد ماله بذلك و لم يكن لبعضهم مزيّة على بعض و شقّ ذلك عليه و استضرّ به، فانّه قد يدفع درهما إلى فقير منهم و قد لا يدفع، و يقول في نفسه إن دفعت إلى واحد منهم دفعت إلى غيره و إلى غيره إلى أن يستنفد جميع مالي، فلا يدفع إلى أحد منهم شيئا. فإذا كان قيام الداعي فيما يشقّ يقتضي ما ذكرناه فقيامه فيما لا يمكن أولى أن يقتضي ما ذكرناه و الداعي إلى الفعل، إذا حصل فيما لا نهاية له فقد حصل فيما لا يمكن فعله، فصار أولى أن لا يجب معه الفعل.
قال: فقد بان أنّ الأصلح في الدنيا، يجب وجوده على بعض الوجوه دون بعض، إلّا أنّ هذا بيان أنّه يجب وجوبا يتبع الداعي أن يكون وجوده أولى، لا وجوبا يستحقّ بالإخلال به الذمّ. هذا هو القول في المصالح الدنيويّة.
فامّا المصالح الدينيّة التي هي الألطاف، فقد اختلفوا فيها أيضا: فذهب بشر بن المعتمر من العدليّة إلى أنّها غير واجبة، و إن حكي عنه الرجوع عن ذلك. و ذهب جماهير أهل العدل إلى أنّها واجبة في حكمة اللّه تعالى. و استدلّوا على وجوبها بوجوه:
منها: أن قالوا: إنّ الامتناع من فعل اللطف يجري مجرى المنع من الملطوف فيه. ألا ترى أنّ المضيف لزيد إذا علم أنّه لا يجيبه إلّا إذا استبشر في وجهه و لم يقطب أو يبعث إليه رقعة يلاطفه فيها أو يرسل إليه ولده أو فعل شيئا لا يكون له