المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٧٢
قلنا: هذا لا يجوز. و ذلك لأنّه يؤدّي إلى أنّ يفوت المكلّف لطف المعرفة في الوقت الذي يمكن حصولها فيه، و ذلك يقدح في إزاحة علّته، فلا يجوز ما ذكره السائل.
فإن قيل: يلزمكم على قولكم أنّ اللّه تعالى كلّفنا اكتساب المعارف من طريق النظر و الاستدلال إشكال، و هو: أنّه إذا كان مكلّفا باكتساب المعارف من طريق النظر و الاستدلال، و معلوم أنّه لا يمكنه اكتسابها من هذا الطريق إلّا في زمان و مهلة إمّا طويل أو قصير، بحسب ذكاء الناظر و بلادته و قوّة فهمه و ضعفه؛ وجب أن يمهله اللّه تعالى ذلك الزمان و زمانا زائدا على ذلك ليحصل للمعارف حظّ الدعوة إلى أداء الطاعات و اجتناب المقبّحات و إلّا لم يكن مزاح العلة. فما تقولون لو قصّر في النظر الأوّل كالنظر في طريق إثبات الأعراض أ يكون مكلّفا في الثاني بالنظر في حدوثها؟ فهذا تكليف بما لا يطيقه: فلا يجوز أن يكون مكلّفا بالنظر في طريق إثبات الأعراض، فيلزمكم أن يزيد اللّه تعالى في مهلته، لأنّه انّما كلّفه النظر في طريق إثبات الأعراض ليرتّب عليه النظر في طريق حدوثها. و كذا النظر في طرق المسائل التي بعدها، ليصل بذلك إلى ما هو لطف له، و هذا يقتضي أن يمهله اللّه تعالى أبدا لو قصر أبدا، فما حلّ هذا الإشكال.
قلنا: نحن نبين كيفيّة تكليف اللّه تعالى له النظر في أدلّة هذه المسائل و ترتيبه، ثمّ نبني عليه حلّ هذا الإشكال، فنقول: إنّ اللّه تعالى كلّفه أن ينظر في طريق هذه المسائل مترتّبة على الوجه الذي يصحّ بمعنى أنّ وقت تكليفه تعالى واحد و لكن تعلّق تكليفه بحدوث هذه الأنظار في أوقاتها المترتّبة، لا أنّه كلّفه أوّلا النظر في طريق إثبات الأعراض فحسب، ثمّ لمّا بلغ إلى الوقت الثاني تجدّد تكليف آخر متعلّق بالنظر في طريق حدوث الأعراض، بل في الوقت الأوّل كلّفه النظرين في وقتيهما. و كذا القول في سائر أنظاره الباقية.