المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٥
و بيان ذلك: إن علم وجوب تحصيل المعرفة بأنّ له صانعا كان عالما بأنّه لا يقدر على تحصيل تلك المعرفة المعيّنة، و علمه بذلك يندرج تحته العلم بأنّ له صانعا فيستثني عن تحصيله ثانيا، إذ لو لم يعلم أنّ له صانعا، لم يتصوّر أن يعلم أنّه يقدر و يمكنه تحصيل العلم بأنّ له صانعا.
و الجواب من ذلك أن نقول: إنّ المكلّف و إن لم يعلم صفة المعرفة الواجبة عليه على التعيين فانّه عرفها على الجملة و عرف سببها الذي هو النظر على التعيين، و ذلك يغني في إزاحة علّته عن العلم بتعيين المعرفة.
و بيان أنّه يعلم المعرفة على طريق الجملة أنّه قد علم ببديهة العقل أنّ النفي و الإثبات المتقابلين لا بدّ من أن يكون أحدهما حقّا فيعلّم أن في مقدوره تحصيل العلم بما هو حقّ نفيا كان ذلك الحقّ أو إثباتا، فيعلم وجوب تحصيل العلم الذي هو متعلّق بالحقّ و لا يلزم على هذا أن يكون عارفا باللّه تعالى، لعلمه بما ذكرناه و تصوّر أن تكون المعرفة واجبة عليه و يكون مكلّفا بها، و لا يلزم عليه فساد، و تزاح علّته بمعرفته بما هو سبب المعرفة على التعيين و هو النظر في طريق المعرفة.
و تحقيق القول في المسألة أنّه إذا خاف بأحد الأسباب التي تقدّم ذكرها فانّما يكون خوفه من إهمال المعرفة و تحقيق القول في أنّ له صانعا و أنّه يستحق ثوابا و عقابا أم لا، و إذا لم يجد مطمعا في تحصيل المعرفة إلّا بالنظر خاف من إهمال النظر.
و عند هذا ينكشف أنّ ما ذكرناه في وجوب النظر من الوجه الأوّل، راجع إلى الوجه الثاني و أنّه ليس هاهنا وجهان في وجوبه أنّ خوفه من ترك النظر لا يتصوّر إلّا بسبب خوفه من تلك المعرفة التي لا يرجو تحصيلها إلّا بالنظر، فيخاف من ترك المعرفة أوّلا، ثمّ يسري خوفه من تركها الى خوفه من ترك النظر و إهماله حيث يطمع في تحصيلها إلّا بالنظر.