المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٣
الأوّل لصحّة دخول الشبهة فيها و لصحّة النظر و الاستدلال فيها. فانّ ما نعلمه لا باختيارنا لا يتأتى فيه شيء من ذلك. فتعيّن أنّها تحصل بالنظر و الاستدلال.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يعرف تعالى بالتقليد على ما ذهب إليه طائفة من الحشويّة و أهل الحيرة؟
قلنا: التقليد ليس طريقا إلى يحصل المعرفة، لأنّه قبول قول الغير و اعتقاد مضمونه من دون حجة و بينة، و ما هذا حاله لا يتميّز فيه الحقّ من الباطل.
و لو صرنا إلى التقليد لم يكن تقليد المقرّ بالصانع أولى من تقليد نافيه و منكره، و كان يجب أن يكون اليهود و النصارى و جميع أصناف الكفّار معذورين في تقليدهم أسلافهم و أن تكون عقائدهم معارف. و معلوم خلاف ذلك.
فإن قيل: تقليد المحقّ إنما هو طريق إلى المعرفة لا تقليد المبطل، فلا يلزم ما ذكرتموه.
قلنا: و بما ذا نميّز بين تقليد المحقّ و تقليد المبطل؟ إن قيل: بتقليد آخر، تسلسل؛ و إن قيل بالنظر في الدليل، قلنا: فقد ثبت أن المعرفة لا تحصل إلّا بالنظر في الدليل و أنّ طالب المعرفة لا غنية له عن النظر و الاستدلال.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يعرف تعالى بتعليم المعلّم الصادق على ما يذهب إليه الباطنيّة؟
قلنا: جواب هذا قد سبق: و هو أنّه بما ذا نعلم صدق المعلّم؟ إن قالوا: بمعلّم آخر، تسلسل، و إن قالوا: بالنظر و الاستدلال، قلنا فقد ثبت أنّ المعرفة لا تحصل من دون النظر و الاستدلال.
ثمّ يقال لهم: إذا ارجعتم إلى أنّ صدق المعلم إنّما يعلم بالنظر و الاستدلال فما الذي يدلّ على صدقه؟ فلا بدّ من أن يقولوا: إنّه المعجز الظاهر عليه، فتقول:
و المعجز إنّما يدلّ على ذلك بعد أن يعلم أنّه من فعل اللّه الحكيم الذي لا يجوز عليه تصديق الكذّاب. فعلى هذا ما لم يسبق العلم باللّه و حكمته، لا يعلم، صدق