المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٢
الإدراك، لأنّه لا بدّ في الذي يحفظ شيئا من انّ يتكرر على سمعه إدراك تلك العبارات حتّى يحفظها، و كذا الممارس للصناعة لا بدّ من أن يتكرّر رؤيته لعمل تلك الصناعة حتى يتعلّم، فليس واحد من العلمين خارجا من طريق الإدراك بل الإدراك فيهما متأكّد، إذ يحصلان عند تكرّره. و أمّا ما نعلمه بخبر الصادقين فهو داخل فيما نعلمه بالنظر و الاستدلال، من حيث انّا لو لم نستدلّ على صدقهم لما علمنا بخبرهم شيئا. و مرادنا بقولنا: أنّ ما نعلمه لا بدّ أن يكون مدركا ما لم يعلم بالأخبار المتواترة، و إلّا فما عداهما ممّا ذكرناه داخل فيما يعلم بالنظر و الاستدلال.
فإن قيل: أ ليس أحدنا يعلم أشياء بطريق إدخال التفصيل على الجملة؟
و ذلك خارج عن الأقسام التي ذكرتموها.
قلنا: ذلك ليس خارجا عمّا يعلم من طريق الاستدلال، إذ الصحيح في طريق النظر و الاستدلال انّه ترتيب علوم أو ظنون ترتيبا مخصوصا يحصله منه علم آخر أو ظنّ آخر، و هذا متحقّق في إدخال التفصيل على الجملة.
فإن قيل: فما تقولون فيما يفعله المتنبّه من رقدته في أيّ قسم يدخل من الأقسام التي ذكرتموها؟
قلنا: هو أيضا داخل في الاستدلال، لأنّه يتذكّر كيفيّة ترتيبه للعلوم التي رتّبها فيعلم ما علمه أوّلا، إلّا أنّ المدّة فيها تقصر عمّا كان في الاوّل، و يمكن أن يحصر علومنا في قسمين، بأنّ يقال ما نعلمه إمّا أن يتوقف العلم به على اختيارنا و فعلنا أو لا يتوقف، و لا ثالث. فان لم يتوقّف فهو الذي يعبّر عنه بانّه ضروريّ و شأنه أن لا يتأتى فيه النظر و الاستدلال و لا يمكن دفعه عن النفس الا بشبهة، و إن توقف على اختيارنا فهو الذي نحصّله بالنظر و الاستدلال لا غير، إذ لو تصوّر خلاف ذلك لتأتّى منّا أن نحصل علما بشيء باختيارنا من دون أن ننظر و نستدلّ و معلوم خلاف ذلك، و قد علمنا أنّ معرفة اللّه تعالى ليست من القسم