المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٥٨
غال في بلد بعينه رخيص في غيره، و عمرو يقول عكسه، و هو انّه رخيص في ذلك البلد غال في غيره.
فانّ هؤلاء يعلمون انّه يجب عليهم أن يتأملوا في ذلك و يبحثوا، و انّهم بالتأمّل و البحث يكونون أقرب إلى السلامة منهم إذا أهملوا التأمّل و عملوا على التبخيت. و لو كان بهذا الخاطر اعتداد و إليه التفات، لوجب أن لا ينظر في شيء من الامور الدنيوية، لا انّ مثل هذا الخاطر يمكن و يتصوّر وروده فيها.
فأمّا الخاطر الثاني فمدفوع أيضا و لا يصلح أن يكون معارضا لخاطره المخوّف من ترك النظر من حيث أن المتقرّر في العقل و المعلوم عند العقلاء هو أنّ المنعم عليه إذا عرف منعمه و شكره على نعمته كان أقرب إلى السلامة من جانبه و الزيادة في نعمه منه إذا أهمل معرفته و شكره.
فأمّا ما قاله من حديث الملك، فانّه إنّما يعاتب على ما ذكره من حيث انّه يستضرّ باطّلاع من اطّلع على أسراره و ضمائره حتّى لو فرضناه انّه لا يستضرّ بذلك و يعلم أنّ هذا الإنسان إنّما يعرفه و يتعرّف تفاصيل نعمه ليشكره عليها على التفصيل، فانّه لا يعاقبه عليه، و لو عاقبه على ذلك لكان ذلك سفها.
و أمّا الخاطر الثالث، فليس بمعارض أيضا، لأنّ السفيه لا حيلة معه لا بأن يعرف و لا بأن لا يعرف، فلا يكون ترك النظر و المعرفة دافعا لمضرّته.
فأمّا ما ذكره في الخاطر الرابع، ففيه بعض الاشتباه. و لكنّه أيضا مدفوع، بسبب أنّ التضرّر الذي يخافه بفعل النظر إنّما هو ذمّ العقلاء، و لا نسبة لهذا الضرر إلى ضرر العقاب الذي يخافه في إهمال النظر، فيجب عليه العمل على خاطره الأوّل و ترك الالتفات إلى هذا الخاطر دفعا للضرر الأعلى بالضرر الأدنى.
فإن قيل: فما الجواب إذا فرض ورود هذا الخاطر على وجه آخر، و هو أن يقول: لو انكشف لك أن لا صانع و لا ثواب و لا عقاب انهمكت في المعاصي و الإخلال بالواجب، فيكون نظرك هذا مفسدة فيقبح منه الإقدام على النظر