المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٥٥
التكليف العقليّ من معارف التوحيد و العدل و العبادات الشرعيّة، مترتّبة على العلم بصورتها و كيفيّتها و على العلم بوجوبها و على العلم بالمعبود الذي يعيد بها، و إن كان العلم بالمعبود لا يدخل في التكاليف الشرعيّة، فانّه من التكاليف العقليّة.
ثمّ و للشرعيّات أسباب و شروط، و هي منقسمة إلى ما لا يتعلّق بالمكلّف فلا يدخل في غرضنا هذا، و إلى ما يتعلّق به، و هو ينقسم أيضا إلى ما لا يتعلّق به تكليف كتحصيل النصاب في الزكاة و الاستطاعة في وجوب الحجّ و هذا أيضا ساقط هاهنا، و إلى ما يتعلّق به تكليف، كالطهارة في الصلاة و الطواف، فتكليف المشروط في هذا القسم مرتّب على تكليف الشرط فيه أعني أنّه مكلّف بتقديم الطهارة ثمّ ترتيب الصلاة عليها، و إن كان الشرط في الغرض تابعا للمشروط، إذ لو لا وجوب الصلاة لما وجبت عليه الطهارة.
و أمّا العقليات فالنظر في طريق معرفة اللّه تعالى مقدّم في الوجوب و كونه مكلّفا به على سائرها و باقي العقليّات لا ترتيب فيها، فحصل من هذه الجملة أنّ النظر في طريق معرفة اللّه تعالى أوّل فعل يجب على المكلّف. و إذا قد عرض الكلام في وجوب النظر فلنوفّيه بعض حقّه و نقول: إنّه أوّل فعل يجب على المكلّف ممّا لا يخلو مع كمال عقله منه لأنّه مقدّم على سائر العقليّات و قد ذكرنا أنّ العقليّات متقدّمة على الشرعيّات بأسرها، فتحقّق انّه أوّل فعل يجب على المكلّف على ما ذكرناه.
فإن قيل: لم قلتم إنّ النظر واجب، ثمّ لم قلتم إنّه أوّل الواجبات؟
قلنا: إنّما قلنا إنّه واجب لوجهين اثنين: أحدهما يرجع إلى نفس النظر و الآخر يرجع إلى المعرفة. أمّا الوجه الأوّل الذي يرجع إلى نفس النظر، فهو انّه بصفة دفع المضرّة، و دفع المضرّة معلوم وجوبه عقلا، سواء كانت المضرّة معلومة أو مظنونة. و إنّما قلنا إنّه بصفة دفع المضرّة لأنّ العاقل يخاف في ابتداء كمال