المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٥٠
لم كلّفتني تحمّل المشاقّ في أداء الطاعات و تجنّب الملاذّ التي كانت في ارتكاب المقبّحات؟ فيقول تعالى: لأنّي عوّضتك بذلك الدرجة الرفيعة، و المنزلة العظيمة المقرونة بالتعظيم و التبخيل التي أنت فيها و لو لا التكليف لما وصلت إليها. فيقول الطفل: يا ربّ! فلم لم تكلّفني ذلك حتّى أصل إلى هذه الدرجة؟
فيقول اللّه تعالى: لأنّي قلت إنّي لو كلفتك لكفرت و استحققت العقاب، فكنت معاقبا الآن و لم يصل إليك النفع الذي هو حاصل لك الآن، فيقول الكافر عند ذلك: يا ربّ! إنّك علمت أنّي أكفر و استحقّ العقاب و اعاقب، فلم كلّفتني؟ فعند ذلك يلزم اللّه تعالى الحجّة على مذهبكم.
و الجواب عن هذا أن نقول: نحن لا نرتضي الأجوبة التي حكيتموها، بل لأصحابنا في ذلك جوابان على اختلاف مذهبهم في الأصلح: أمّا من ذهب إلى أن الاصلح في الدنيا غير واجب، فانّه يقول: إنّ اللّه تعالى يجيب المؤمن: بأني إنّما كلّفتك، لأني عرضتك للثواب الذي هو حاصل لك، و هذا كان غرضي أيضا في تكليف الكافر، غير أنّك أحسنت الاختيار لنفسك فأطعت و استحققت الثواب و وصلت إليه و الكافر أساء الاختيار فاستحقّ العقاب و لم يصل إلى ما عرّضته له. و يقول للطفل: إنّ تكليفي لمن اكلّفه تفضل منّي عليه، و للمتفضّل أن يتفضّل على من يريد و لا يتفضّل على غيره. و لا يلزم على هذا الجواب أن يقول الكافر. لم كلّفتني و هلّا احترمتني لأنّا في هذا الجواب لم نوجب احترام الطفل بسبب علمه تعالى بأنّه يكفر و إنّما قلنا بانّ اللّه تعالى لم يتفضّل عليه بالتكليف، فلا يتأتى عليه سؤال الكافر.
و أمّا من قال بوجوب الأصلح في الدنيا فانّه يقول: إنّ اللّه تعالى انّما كلّف المؤمن لأنّه عرّضه بتكليفه الثواب و لم يكن تكليفه مفسدة لغيره و إنّما لم يكلّف الطفل من حيث علم انّه لو كلّفه لكان تكليفه مفسدة لغيره، و الكافر إنّما كلّفه لأنّه عرّضه للثواب و لم يكن تكليفه أيضا مفسدة للغير، فاستقام الجواب
المنقذ من التقليد ج١ ٢٥١ الكلام في التكليف و حسنه و وجه حسنه ..... ص : ٢٤٠