المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٤٨
ثمّ نقول استطهارا في الحجّة ما قاله بعض الأصحاب و هو: أن تكليف الكافر لطف و مصلحة لغيره من المكلّفين، فيخرج بذلك من أن يكون عبثا.
فإن قالوا: كيف يجوز إضرار الكافر لمنفعة غيره؟
قلنا: هذا رجوع إلى الوجه الذي ذكرتموه قبل هذا و قد أجبنا عنه و بيّنا أنّ تكليفه ليس بإضرار، و إنّما نتكلم الآن في أنّ تكليفه ليس بعبث، فإذا حصل فيه الغرض الذي ذكرناه يخرج به من كونه عبثا، ألا ترى انّه يقبح منّا استئجار الغير لينقل الماء من ساقية و يتركه في تلك الساقية، لكونه عبثا، و لكن لو استأجرناه ليستقي الماء من الساقية لغيرنا لخرج بذلك من كونه عبثا، و إن رجع النفع إلى غيرنا.
و قد اجيب عن هذا السؤال بأن قيل: ليس الغرض في التكليف إيصال الثواب، و إنما الغرض فيه التعريض للثواب و جعل المكلّف بحيث يمكنه الوصول إليه. و هذا الغرض متحقق في تكليف الكافر، لأنّه تعالى عرّضه بتكليفه للثواب و جعله متمكنا من أن يؤمن و يطيع، فيستحقّ الثواب، فبطل بذلك قولهم «أجري بتكليفه إلى غرض لم يتحصّل».
فإن قيل: أ ليس زارع السبخة مع علمه بأنّها لا تنبت يسفّه و يعدّ عابثا و لا يقبل منه الاعتذار بأنّي إنّما أزرعها تعرّضا لمنفعة الزرع من حيث انّه لا تحصل تلك المنفعة، فهكذا الحال في تكليف الكافر، لأنه تعالى علم أنّه لا يصل إلى الثواب الذي عرّضه له.
قلنا: زارع السبخة فاعل للقبيح و مستحقّ للذمّ من حيث انّه يتلف ماله الذي هو البذر و يتعب نفسه في طلب نفع يعلم أنّه لا يصل إليه، فيتمحّض فعله إضرارا بنفسه، فكذلك يقبح فعله، و هذا محال فيه تعالى، و لهذا قيل إنّ تكليف اللّه تعالى عبيده لا نظير له في الشاهد.
فإن قيل: تكليف الكافر مفسدة من حيث انّه يقع عنده الفساد الذي هو