المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٤٧
فإن قالوا: إنّما استضرّ بالفعل الشاقّ الذي الزمه المكلّف.
قلنا: فهذا الوجه قائم في تكليف المؤمن، و قد خرج من أن يكون إضرارا به بالثواب الذي ضمن في مقابلته.
فإن قالوا: إنّما استضرّ بالعقاب النازل به.
قلنا: العقاب ليس تكليفا و إنما استضرّ الكافر بالعقاب و نزوله به لا سائته الاختيارية لنفسه في فعل المعصية و ترك الطاعة. و لو أحسن الاختيار لنفسه بان فعل الطاعة و ترك المعصية لانتفع كالمؤمن.
فإن قالوا: إنّما كان تكليفه مضرّة من حيث علمه تعالى أنّه يكفر فيعاقبه.
قلنا: لو انفرد علمه تعالى عن معصية الكافر لما استضرّ.
فإن قالوا: إذا علم تعالى أنّه يكفر و يعصي فلا بدّ من وقوع الكفر و المعصية منه فاذا كلّفه مع هذا العلم فقد أضرّ به لأجل التكليف مع هذا العلم.
قلنا: هذا كلام من يظنّ انّ اللّه تعالى قد اختار أن يعلم أن الكافر قد يكفر فعلم و انّ علمه ساق الكافر إلى الكفر. و ليس الأمر على ما ظنه السائل، لأنّ الكافر ما عصى لعلم اللّه تعالى بأنّه يعصي، بل انّما علم تعالى أنّه يعصي، لأنّه يعصي لما بيّناه من أنّ العلم يتعلّق بالمعلوم. على ما هو به و لا يجعله على ما هو به حتّى لو فرضنا أن لا يعلم تعالى وقوع المعصية منه، و وقوع الطاعة من المطيع لكان الذي يطيع يطيع و الذي يعصي يعصي و على هذا فإذا علمنا أنّه تعالى سيقيم القيامة و يثيب المطيعين و يعاقب الكفّار لم يكن علمنا هذا سبب إقامة القيامة و إثابة المطيعين و عقوبة الكفّار.
فإن قالوا: هذا التكليف قبيح لأنّه عبث من حيث انّه أجرى به إلى غرض لا يتحصل، و هو وصوله إلى الثواب.
قلنا: هذا التكليف من فعل حكيم، فلا بدّ من أن يكون فيه وجه حكمة و غرض صحيح، فلا يكون عبثا، و هذا القدر يكفينا على طرق الجملة.