المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٤٦
فإن قيل: فلو كانت حمراء كيف كان الحال في كون تعالى عالما؟
لكان الجواب عنه أن نقول: لو كانت حمراء لعلمها اللّه تعالى حمراء، كذلك في مسألتنا، و الأصل في الباب و التحقيق فيه: أنّ العلم يتبع المعلوم في الرتبة، و إن كان قد يسبقه في الثبوت و نسبة العلم إلى المعلوم كنسبة المرآة إلى الصورة التي ترى فيها. فإذا أرتنا المرآة صورة حسناء كانت تلك الصورة حسناء، كما أرتناها. و لكن لم تكن الصورة كذلك، لأنّ المرآة أرتناها كذلك، بل إنّما أرتنا المرآة الصورة حسناء، لأنّها كانت كذلك في نفسها.
و قد يورد المخالف هذا السؤال بعبارة أخرى، و هي أن يقول: لو صحّ من الكافر الإيمان و قدر عليه و فرضنا وقوعه منه لكان يقتضي انقلاب كونه عالما، و ذلك لأنّه إمّا أن يبقى عالما بأنه لا يؤمن فيكون ذلك جهلا، لأنّ تعلّقه على هذا التقدير ليس على ما هو المعلوم عليه، و إمّا أن يصير عالما بأنّه يؤمن و فيه انقلاب كونه تعالى عالما.
و الجواب عنه أن نقول: أ تعني بقولك: «انقلب علمه تعالى لو أطاع الكافر» انّه لو أطاع الكافر لكان عالما بانّه يؤمن لم يزل و لا يزال، فكذلك نقول و ليس فيه انقلاب كونه تعالى عالما، و إنما هو إثبات علم بدل علم أو نعني به أنّه تعالى كان يكون عالما لم يزل بأنّه يؤمن ثمّ يصير عالما بأنّه يؤمن، فهذا ممّا لا نقوله و لا يصحّ تقديره، إذ فيه أنّ علمه الازليّ تعلّق بالمعلوم، لا على ما هو به.
فإن قالوا: في هذا التكليف وجه آخر من وجوه القبح و هو أنّه إضرار بالكافر.
قلنا: أ تقولون إنّ نفس التكليف و الأمر و البعث إضرار، فهذا قائم في حقّ المؤمن، فيجب أن يكون إضرارا به أيضا. على أنّ الأمر و التكليف كيف يتصوّر أن يكون مضرّة؟ و لئن تصوّر أن تكون مضرّة كيف يستضرّ به المكلّف؟ و هو مباين له غير حالّ فيه.