المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٤٥
قلنا: أ ليس اللّه تعالى علم أنّه لا يحرّك ورق الشجر في الوقت الذي لا يحرّكه و مع ذلك فانّه لا يقدر على تحريكه بالاتفاق، إذ أضعف القادرين يقدر على ذلك، ثمّ اقتداره تعالى على ذلك ليس اقتدارا على أن يجعل علمه غير علم.
و أصحابنا يجيبون عن هذا السؤال بأن يقولوا إنّما كان يلزم ما قالوه أن لو قلنا أنّه لو وقع من الكافر الإيمان لكان تعالى غير عالم بأنّه لا يؤمن و أن علمه تعالى بأنّه يكفر صار علما بأنّه يؤمن، و نحن لا نقول ذلك بل نقول خطا أن يقال إنّه يكون علما بانّه يكفر، لأنّه يقتضي تعلّقه بالشيء لا على ما هو به و خطاء قول من يقول يكون علما بأنّه لا يكفر، لأنّه يكون فيه انقلاب علمه.
و الجواب الصحيح عن هذا السؤال أن يقال: إذا فرضنا وقوع الإيمان منه أنّه تبارك و تعالى ما كان يكون عالما من الأزل بأنّه لا يؤمن، بل كان بدله عالما بأنّه يؤمن و إنّما أشكل الأمر على السائل لأنّه قدّر وقوع الإيمان من الكافر مع إثباته كونه تعالى عالما بأنّه لا يؤمن. و هذا تقدير محال، لأنّ العلم، من حيث انّه يتعلّق بالمعلوم على ما هو به تبع للمعلوم في التعلّق، فصار العلم و المعلوم من هذا الوجه من الامور المتضايفة التي لا يمكن تقدير الإضافة في أحد المتضائفين مع نفي ما يقابله في الآخر. كالأبوة و البنوّة، فانّه يستحيل أن يقدر في شخص أنه ابن شخص آخر، مع تقديرك أنّ الآخر ليس أبا له، بل مهما فرضت في أحدهما أنّه ولده فانّه يتضمّن هذا الفرض فرض الآخر بأنّه أبوه لا يتصوّر إلّا كذلك.
كذلك في مسألتنا، إذا فرضت المعلوم على وجه فلا بدّ من أن تفرض في مقابلته تعلّق العلم به على ذلك الوجه و لا يمكن خلافه. أ لا ترى أن القائل إذا قال: في بسرة صفراء كيف يعلمها اللّه سبحانه، فجوابه أن نقول: يعلمها صفراء لأنّه [١] كذلك في نفسها.
[١] كذا في النسختين، و الظاهر «لأنّها».