المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٤٤
الظنّ فيه يقوم مقام العلم، كالتجارة، فانّها تحسن مع ظنّ الربح كما تحسن مع العلم بالربح، و يقبح مع ظنّ الخسران كما يقبح مع العلم بالخسران، و قد علمنا حسن تقديم الطعام إلى من وصفناه.
و بعد، فانّا نعلم حسن استدعاء جميع الكفّار إلى الدين في حالة واحدة لو جمعوا في مجمع واحد مع ما قد علمنا ضرورة من طريق العادة أنّهم بأجمعهم لا يدخلون في الدين في تلك الحالة.
فبطل أن يكون علمه تعالى بأنّه يكفر و لا يؤمن يقتضي قبح تكليف الكافر.
و تحقق ما ذكرناه من حسن تكليفه، لأنّ وجه الحسن ثابت فيه، و وجوه القبح منتفية عنه، لأنّ وجوه القبح معقولة مضبوطة مثل كونه كذبا و عبثا و مفسدة و ظلما و تكليفا لما لا يطاق. و كلّ هذه الوجوه منتفية عن تكليف من المعلوم من حاله أنّه يكفر.
على أنّه لا يلزمنا بيان وجه الحسن على التفصيل في تكليف الكافر، و لا في تكليف المؤمن و لا بيان انتفاء وجوه القبح عن التكليفين مفصّلا، لأنّا قد علمنا على الجملة أنّ في كلّ واحد منهما وجه حسن و أنّه ليس فيهما و لا في أحدهما وجه من وجوه القبح بما قد علمنا من حسنهما على ما بيناه، فلو لا ثبوت وجه الحسن فيهما و انتفاء وجوه القبح عنهما لما حسنا. و هذا القدر يكفينا، و لا نحتاج إلى بيان التفصيل في ذلك غير أنّا نتكلّم في التفصيل استظهارا في الحجّة.
فإنّ قيل: فيه وجه من الوجوه التي عددتموها، و هو كونه تكليفا لما لا يطيقه المكلّف. و بيان ذلك أنّه تعالى علم من حاله أنّه يكفر و يعصي و لا يؤمن و لا يطيع، فإذا كلّفه الإيمان و الطاعة فقد كلّفه ما لا يطيقه و لا يقدر عليه، إذ لو قدر على الإيمان و الطاعة التي علم تعالى أنّه لا يفعلها لكان قد قدر على أن يجعل علم اللّه تعالى غير علم، لأنّه لو آمن و أطاع، لكان علم اللّه تعالى بأنّه يعصي غير علم، و ذلك يقتضي كونه علما و غير علم، و هذا محال.