المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٢٤
القول بأن للكلام معنى، سوى الحرف و الصوت و ما يتركّب منهما، يوجد مع الصوت مسموعا، و مع الكتابة مكتوبا، و مع الحفظ محفوظا، و أنّه يصحّ بقاؤه و وجوده في حالة واحدة على اتحاده في أماكن متباعدة.
و بيّنا الجواب عن هذا السؤال على هذا المذهب، فقالا: التالي لكلام اللّه تعالى يوجد مع تلاوته عين كلام اللّه تعالى الذي أوجده فهو باق موجود مع تلاوة كلّ تال، و لا يلزمنا شيء ممّا ذكره السائل. و احتجا لصحّة مذهبهما بأن قالا:
لو لم يكن الكلام موجودا مع الكتابة لما صحّ تلاوته من الكتابة، و لو لا أنّه موجود مع الحفظ لما تمكّن الحافظ له من قراءته. و أيضا فانّ تلاوة القرآن ربما تقبح من بعض المكلّفين، كالجنب و الحائض، و لا يجوز وصف القرآن و كلام اللّه تعالى بالقبح. و هذا مذهب باطل لا يحتاج إلى ارتكابه في جواب سؤال السائل. على ما بيّنا القول فيه.
و نحن نبيّن بطلان ما تمسّكا به لنصرة مذهبهما ثمّ ندلّ ابتداء على بطلان هذا المذهب.
أمّا قولهما: «لو لا وجود الكلام مع الكتابة لما أمكن قدرة الكلام من الكتابة»، فالردّ عليه أنّ التلاوة من الكتابة إنّما أمكن، لا لما ذكرتموه، بل لأنّها رقوم جعلت أمارات دالّة على الحروف و الأصوات، بالمواضعة عليها. فمن عرف تلك المواضعة و نظر في الكتابة أمكنه تلاوة الكلام بالاستدلال بها عليه، و على هذا فانّ الكتابة و الرقوم الدالة على كلام واحد تختلف باختلاف الخطوط و اختلاف المواضعة عليها، و الكلام الواحد لا يختلف.