المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢١٨
إلى التسلسل، و هو محال. فلم يبق إلّا أن يكون كلمة «كن» قديمة و إذا ثبت قدمها ثبت قدم القرآن بأسره، إذ لم يفرّق أحد من الأمّة بين بعض القرآن و بين بعضه في قدم أو حدوث.
و الجواب عن ذلك أن نقول: إنّ ما ذكره اللّه تعالى ليس إخبارا عمّا ظننتموه، من أنّه يفعل الأشياء بكلمة «كن»، و إنما هو خبر عن أنّه إذا أراد شيئا كوّنه و فعله بسرعة من دون أن يحتاج فيه إلى مهلة و زمان، مثل ما يقوله الواحد منّا لمن استبطأ فعله الذي أمره به: «لست ممّن يقول للشيء كن فيكون».
يبيّن ما ذكرناه أنّ ذلك لو كان خبرا عما ذكروه لكان ذلك خطابا للمعدوم و أمرا له بأن يكوّن نفسه، أ فيليق بالحكيم أن يخاطب المعدوم و يأمره بان يكوّن نفسه؟ [و] هل يقدر المعدوم على تكوين نفسه؟
ثم نقول لهم: كلمة «كن» مركبة من الكاف و النون، و الكاف مقدّم على النون، فكيف يتصوّر في النون تقدّمه الكاف أن يكون قديما؟ و كيف يمكن أن يكون الكاف قديما؟ و قد تعقبه النون المحدث، و ما تقدّمه إلّا بأقلّ قليل الأوقات، مع وجوب تقدّم القديم على المحدث بما لو قدّر أوقاتا لكانت بلا نهاية و بعد، فانّ في الآية ما يدلّ على حدوث «كن»، و ذلك لأنّه تعالى قال: «إذا أردناه»، و «إذا» يفيد الاستقبال. فدلّ ذلك على أن قول «كن» يوجد منه تعالى في المستقبل، فلا يكون قديما.
تمسّكوا أيضا بأن قالوا في القرآن أسماء اللّه، مثل اللّه، الرّحمن، الرّحيم، إلى غيرها، و الاسم هو المسمّى فلو كان القرآن محدثا، لكان أسماء اللّه محدثة، فليزم حدوث ذاته تعالى.
و الجواب عن ذلك أن نقول: هذا بناء على أصل فاسد غير مسلّم، و هو أنّ الاسم هو المسمّى، فلم قلتم ذلك؟ و ما دلالتكم عليه؟ و كيف يمكن ادّعاء القول بأنّ الاسم هو المسمّى؟ مع علمنا بأنّ الاسم هو القول الدالّ بالوضع