المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢١٥
و إذا تقرّر هذا، فكلام اللّه تعالى إنما هو من جنس الأصوات و الحروف.
و ذلك لأنّ اللّه تعالى خاطب العرب بلغتهم، و كذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إنما كان يخاطبهم بلغتهم و قد كان منهم. فيجب حمل الكلام الوارد في خطاب اللّه تعالى في مثله قوله: «وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ» [١]، «وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً» [٢] و في خطاب الرسول عليه السلام على ما تعرفه العرب في معنى هذه اللفظة، و قد بيّنا أنّهم يعنون بالكلام ما انتظم من حرفين فصاعدا، على ما ذكرناه و لا يعرفون غيره.
فإن قيل: كيف يقولون ذلك؟ و قد يقول أحدهم: «في نفسي كلام».
قال الشاعر:
إنّ الكلام لفي الفؤاد و إنّما
جعل اللسان على الفؤاد دليلا
قلنا: هذا مجاز و استعارة، و إنّما المراد به أنّ في النفس و الفؤاد العزم على الكلام أو العلم بكيفيّة نظم الكلام أو الفكر فيها و بيانه: أن كما يقال: «في نفسي كلام»، كذلك يقال: «في نفسي بناء واد»، و «في نفسي السفر إلى مكة» و لا يدلّ هذا على أنّ البناء أو السفر يكون في النفس، و إنّما المراد ما ذكرناه من العزم على السفر أو البناء.
إذا ثبت أن كلام اللّه تعالى من جنس الحروف و الأصوات لم يبق شكّ في حدوثه، و أنّه تعالى فاعله و محدثه، أحدثه بحسب مصالح العباد التي يعلمها.
فمن جملة ما تكلّم به: التوراة و الإنجيل و القرآن.
و إنّما قلنا: «لا شكّ في حدوث الكلام المنظوم من الأصوات و الحروف»، لأنّ الأصوات مدركة، فنعلم وجودها إذا كانت موجودة و عدمها إذا كانت
[١] التوبة: ٦.
[٢] النساء: ١٦٤.