المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٠٩
المقدّر اجتماع هذين الحكمين، فهذا غير ممتنع، لأنّه يصحّ أن يقال: ليس لهذا الذي فعله عبادة للشيطان أن يفعله و هو بفعله يستحقّ الذمّ، و للآخر الذي فعله عبادة للّه تعالى أن يفعله و لا يستحقّ به ذمّا، و لا تنافي بينهما، و إن أراد لزوم الجمع بين الوجهين المؤثّرين في هذين الحكمين، فذلك غير مستحيل، لأنّ الوجه في ذلك اقتران، إرادتيهما بالفعل، و ذلك صحيح.
فإن قيل: إذا وصفتموه تبارك و تعالى بالاقتدار على أعيان مقدورات العباد يلزمكم أن يكون تصرّفاتهم أفعالا له تبارك و تعالى. و فيه لزوم كونه تعالى فاعلا للقبائح التي تقع منهم. و في ذلك دخول فيما هربتم منه، اذ الفعل على تحديد شيوخكم هو الذي وجد و كان الغير قادرا عليه. و هذا متحقق في تصرّفات العباد مع اللّه تعالى على ما ذهبتم إليه من كونه تعالى قادرا عليها.
قلنا: نحن لا نرتضي هذا التحديد، و إنّما الفعل هو الذي وجد بداعي من قدر عليه، إذ مقدور القادر لا يكون بالوجود أولى من وجود ضدّه و من لا يوجد إلّا لداع يدعوه إليه، و إلّا فالأولويّة مرتفعة. و إذا كان كذلك فلا داعي له تبارك و تعالى إلى القبائح، فلا يلزم أن تكون أفعالا، و أمّا غير القبائح من تصرّفات العباد، فلا غرض له تعالى في فعلها فلا يدعوه داع إليها، فلا يلزم فيها أيضا أن تكون أفعالا له فاندفع هذا الإلزام.
و قد احتجّوا في بيان مقدور واحد بين قادرين بأن قالوا: القادران إذا دفعا في حالة واحدة جزءا إلى جهة، فانّ كون الجزء كائنا في تلك الجهة يحصل بهما و هو شيء واحد، إذ قد ثبت أنّ الكائنية التي معناها حصول الجوهر في جهة لا يعقل فيها التزايد، كما لا يعقل التزايد في الوجود و ما يتمسّك به من يوقع التزايد في الكائنيّة من أنّ القويّ يمنع الضعيف من تحريك الجسم من الموضع الذي يسكنه فيه، فانّما هو بالتزايد الواقع في المدافعات و الاعتمادات، إذ التزايد فيها معقول.