المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٩٦
و من* وجه آخر يتبيّن أنّهم المعنيّون بهذا القول، و هو الرجوع إلى اللغة و أهلها. و ذلك لأنّهم يشتقّون الاسم لمن نسب نفسه إلى المصدر الذي يشتقّ منه الاسم دون من لم ينسب إلى نفسه ذلك. ألا ترى أنّ من نسب نفسه إلى القول بالعدل يسمّى عدليّا، و هو بهذه التسمية أولى بمقتضى اللغة ممّن لم ينسب إلى نفسه القول بالعدل.
و اسم الجبريّة يطلق على من وصف نفسه بأنّه يقول بالجبر، و هو أولى بهذا الاسم ممّن لا يصف نفسه بذلك. و كذلك فانّ الاسم يشتقّ من المصدر لمن يلهج بذكره و يردّده و يكثر ذكره. ألا ترى أنّ الخوارج يسمّون محكمة لمّا لهجت بذكر التحكيم. و لا يجوز أن يقال: انّهم إنّما وصفوا بذلك من حيث كانوا راضين به، لأنّه لو كان كذلك لكان أصحاب معاوية بهذا الاسم أولى، لأنّهم رضوا بالتحكيم و لم يسخطوه قطّ، و الخوارج بعد الرضا به سخطوه. فعلم بهذا صحّة ما ذكرناه.
إذا تقرّر هذا، فمن المعلوم أنّ المجبّرة هم الذين يصفون أنفسهم بأنهم يقولون بالقدر، و يضيفون كلّ قليل و كثير و حقّ و باطل و طاعة و معصية إلى قدر اللّه، و إن وقعت منهم جناية يعتذرون و يقولون: كان ذلك قضاء اللّه و قدره، ما أمكننا ردّه، و يلهجون بذكر القدر على ما هو معلوم، فهم القدريّة بحكم هذا الاشتقاق.
إن قالوا: لو كنّا قدريّة للعلّة التي ذكرتموها، لوجب أن تكونوا قدريّة، لأنّكم تقولون إنّ اللّه تعالى قدّر أفعال نفسه و أفعال عباده، بمعنى أنّه كتبها في اللوح المحفوظ.
قلنا: و كلّ مسلم يقول بهذا، فيجب ان يكون جميع المسلمين قدريّة، فإنّ قالوا: أنتم القدريّة، و ذلك لأنّكم تضيفون أفعالكم إلى قدركم، و تقولون إنّا نقدّر أفعالنا.