المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٨٤
«قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» [١].
قالوا: فدلّ ذلك على أنّه تعالى لا يشاء الإيمان من جميع العباد. و ذلك بخلاف مذهبكم.
و الجواب عن ذلك: أنّ المراد بالمشيّة في الآيتين مشيّة الإكراه و الإلجاء.
و على ذلك أوّلها المفسّرون. قال الكلبيّ في تفسير هذه المشيّة: إنّها مشيّة حتم.
يبيّن ما ذكرناه ما ذكره تبارك و تعالى، في قوله: «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا، إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ» [٢]. حكى مذهب المجبّرة في المشيّة و كذّبهم فيه بقوله تعالى «وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ» و الخرص هو الكذب، فدلّ ذلك على أنّه تعالى ما شاء منهم الشرك. و إذا قال ذلك و بيّنه في هذه الآية و قال في الآيتين الأخيرتين أنّه لا يشاء إيمانهم وجب التلفيق بين الآيات، فدفع [٣] التّناقض بينهما. و لا يتمّ ذلك إلّا بحمل المشيّة في الآيتين المذكورتين على مشيّة الإكراه.
فإن قالوا: إنّما كذّبهم، لأنّهم قالوا ما قالوه على طريق الاستهزاء.
قلنا: ليس في الآية ما يدل على أنّ هذا القول صدر عنهم على طريق الاستهزاء، ثمّ و من يقول حقّا على طريق الاستهزاء، فانّه لا يكذب في ذلك القول، بل يذمّ على انّه قال ذلك على طريق الهزء.
و منها قولهم: لو أراد تعالى من الكافر الإيمان، و من العاصي الطاعة- و معلوم أنّ إبليس أراد كفر الكافر و معصية العاصي- لكان يصحّ القول و يحسن بأنّه ما كان ما شاء اللّه و كان ما شاء إبليس، و على العكس، بأن يقال: ما شاء
[١] الانعام: ١٤٩.
[٢] الانعام: ١٤٨.
[٣] م: و رفع.