المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٨٣
المنّة الاختلاف إلى المساجد و ترك الاختلاف إلى البيع و الكنائس، ثمّ لا يقع منه ما أراده السلطان، بل يقع خلافه، و لم يدلّ على عجز السلطان من حيث لم يرد السلطان قهره على ذلك بل أراد أن يفعله باختياره. كذلك القول في مسألتنا، فانّ اللّه تعالى ما أراد الطاعة من العباد قهرا و جبرا، و إنّما أراد أن يطيعوه و يفعلوا الخير باختياره، ليستحقّوا عليها ثوابا، فإذا لم يقع لم يلحقه تعالى عجز و نقص.
يبيّن ما ذكرناه- من الفرق بين إرادة الشيء من الغير على سبيل الإكراه، و بين إرادته منه على سبيل الاختيار في الدلالة على العجز و الضعف-: أنّ الملك لو أراد ان ينهزم عدوّه الذي يحاربه، فلم يوجد ذلك لدلّ على عجزه، لأنّه يريد إكراهه على الهزيمة فإذا لم يقع انكشف أنّه لم يقدر على إكراهه على الهزيمة فاتضح بما ذكرناه الفرق بين الإرادتين.
و منها أن قالوا: قد علم اللّه تعالى من حال الكافر أنّه لا يؤمن، و من العاصي أنّه لا يطيع، و الحكيم لا يريد ما يعلم أنّه لا يكون.
و الجواب عن ذلك أن نقول: هذا أصل غير مسلّم لم قلتم: إنّ الحكيم لا يريد ما يعلم أنّه لا يكون؟ أ ليس لو اخبر نبي صادق أحدنا بأنّ زيدا يشتمه و يذمه و يسيء القول فيه، و لا يمدحه و لا يقول فيه الجميل؟ فانّه لا يريد أن يشتمه زيد و لا أن يسيء القول فيه؟ و يريد أن يمدحه و يقول فيه الجميل و لم يكن ذلك منه سفها و خلاف الحكمة؟ و كذلك فانّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله قد أراد الإيمان من جميع الكفّار مع إعلام اللّه تعالى له بانّ قوما منهم لا يؤمنون و لم يكن ذلك مخالفة الحكمة.
و منها: تمسّكهم بالسمع من قوله تعالى: «وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» [١] و قوله تعالى
[١] يونس: ٩٩.