المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٧٢
ثم يقال لهم: و لو علقت الصفة التي أثبتموها للفعل، لم قلتم إنّها حصلت بالعبد؟.
فلا بدّ من أن يقولوا: من حيث انها حصلت بداعي العبد.
فنقول لهم: و هذا قائم في حدوث الفعل، فعلّقوه به و يقال لهم أيضا: أ في وسع العبد بعد خلق اللّه تعالى الفعل فيه و خلق القدرة عليه أن لا يكتسبه، و لا يحصله على تلك الصفّة، أو ليس في وسعه ذلك؟
فمن قولهم: ليس في وسع العبد الامتناع من اكتساب الفعل عند خلق اللّه تعالى الفعل و القدرة عليه فيه.
قلنا: فأيّ فائدة في إثبات هذه الصفة و تعلّقها بالعبد مع انّه مجبر عليها، و أيّ تأثير لذلك في استحقاق المدح و الذمّ، و ما الفرق بينكم و بين جهم في ذهابه إلى الجبر، إلّا من حيث انّكم أضفتم إلى الجبر أمرا غير معقول.
و اعلم أنّ المتولّد كالمباشر في كونه فعلا للعبد إذا وجب وقوعه بحسب قصده و داعيه. و قبل بيان ذلك نبيّن حقيقة المباشر و المتولّد فنقول المباشر هو الفعل المبتدأ به في محلّ القدرة عليه، و لا يقدر عليه إلّا العبد من أن ما يفعله تعالى مبتدأ لا يكون في محلّ القدرة عليه، إذ هو تعالى لا يقدر بقدرة و ليس هو تعالى محلا لشيء فيكون مخترعا، إذ المخترع هو الذي يبتدأ به لا في محلّ القدرة عليه، و لا يقدر عليه إلّا اللّه تعالى و أمّا المتولّد فهو الفعل الذي يجب وقوعه بحسب فعل آخر، يقلّ بقلّته و يكثّر بكثرته، و هذا يقدر عليه العبد و الربّ تبارك و تعالى.
و قد اختلف المتكلّمون في المتولّد، فذهب شيوخ أهل العدل، إلى أنّه فعل للعبد، إذا وقع بحسب قصده و داعيه و أسبابه و ذهب معمّر إلى أن لا فعل للعبد، إلّا الإرادة و ما عداهما يقع بطبع المحلّ. و ذهب بعضهم إلى أنّه لا فعل له إلّا الفكر، و قال النظّام: لا فعل للعبد إلّا ما يوجد في محلّ قدرته، فأمّا ما تعدّاه فانّه