المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٦٩
و أمّا ما قاله في الكتابة، فإنّما يقع التفاوت فيها، لأنّ الكتابة ليست مجرّد الفعل، و إنّما هو فعل محكم يحتاج فاعلها إلى علم بها و آلة يفعلها بها، فإنّما يقع التفاوت بسبب تفاوت في الآلة، أو بسبب أن لا يكون ماهرا في العلم بها.
فأمّا اذا لم يقع التفاوت في الآلة و كان مستكمل العلم بها ماهرا فيها، فانّه يمكنه أن يكتب ثانيا و ثالثا، مثل ما كتبه أوّلا، بل يمكنه أن يزوّر على خطّ غيره، بحيث لا يفرّق بينه و بينه.
فإن قيل: أ ليس في مقدور اللّه تعالى عندكم أن يخلق في محلّ فعلكم مثل فعلكم؟ كأن يخلق في يدكم الحركة إلى الجهة التي تحرّكونها إليها. فلو فعل ذلك، أ كنتم تفرّقون بين ما حصل بكم من الحركة و بين ما حصل باللّه تعالى؟ فهذا ممّا لا وجه له، و لا يمكنكم ادّعاؤه، إذ كيف يحصل التميّز بين المثلين في محلّ واحد. و إذا لم تفرّقوا بينهما فتجدون حالكم مع جميع ما حصل فيكم حالة واحدة من وقوعه بحسب قصدكم و داعيكم، و مع ذلك، فليس كلّه فعلا لكم، فكيف يصحّ استدلالكم بوقوع الفعل بحسب قصدكم و داعيكم، على أنّه فعل لكم؟
قلنا: إن اخترنا أنّ جمع المثلين في محلّ واحد لا يصحّ، لفقد التميّز بينهما على ما تقولونه، كان هذا السؤال ساقطا عنّا. و إن لم نختر هذا المذهب و أجزنا اجتماع المثلين في محلّ واحد، كان لنا أن نقول: لو كان الامر على ما قدّره السائل، لكنّا نجد حالنا مع ما قد حصل فينا كحالنا إذا فعلنا فعلا و غيرنا في الشاهد يعيننا عليه، و تحقيق القول فيه: أنّا كنّا نعلم أنّ جميع ما حصل فينا.
هو ما بنا، و إنّما الحاصل بنا بعضه على الجملة من غير تميّز.
و قد قالوا حيث استدلّها المشايخ عليهم بحسن المدح و الذّم: أ ليس يذمّ الأسود بسواده، و الناقص الخلقة. كالأعور و الأعمى بنقصانه؟ و يمدح الصبيح الوجه بصباحته، و القادر القوي بقدرته؟ فكيف يصح الاستدلال بحسن المدح و الذم؟