المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٦٧
يكون معقولا مفهوما لنا قبل إضافة الفعل إلى فاعل معيّن، و لا يعقل من مضى الفعليّة إلّا وجوب وقوع الفعل بحسب دواعي من قبل أنّه فاعله ما ذكرناه من قبل، من أنّ الفاعل هو من حدث الشيء به على سبيل الدواعي. و لهذا فانّ من يضيف تصرّف العبد إلى اللّه تعالى يعتقد أنه واقع بحسب مشيّته تعالى و دواعيه و إذا كان كذلك فهذا المعنى معلوم محقّق فينا مع تصرّفنا، فيجب القطع على أنّه فعلنا، فلا يتصوّر أن نجوّز أن لا يكون فعلنا. ما هذا إلّا كما إذا اختلف شخصان في زيد مثلا إنّه ابن عمرو أو ابن بكر، فانّ تحقيق القول في ذلك إنّما ينكشف بأن تحقق معنى البنوّة و الأبوّة. فإذا علم أنّ ابن الرجل من كان مخلوقا من مائه أو مولودا على فراشه شرعا و علم أنّ زيدا مخلوق من ماء عمرو مثلا أو مولود على فراشه، لم تبق شبهة في أنّه ابنه و من خالف في ذلك بعد تحقّق ذلك المعنى يكون جاحدا.
فإن قيل: كيف تقولون يجب وقوع الفعل بحسب قصد الفاعل و داعيه؟
و قد علمنا أنّه يقصد إلى أنّه يوقع إيمانا، فيقع كفرا على ما نعلمه من حال اليهود و النصارى و مخالفي الاسلام، فانّهم لا يقصدون إلى أن يكفروا، فيقع اعتقادهم كفرا، و ربما يقصد إلى أن يوقع الفعل ملذّا، فيقع مولما، أو يقصد إلى أن يوقعه مولما، فيقع ملذا، كذا يقصد الكاتب إلى أن يكتب مثل ما كتبه أوّلا، فلا يقع، فكيف تقولون يقع فعله بحسب قصده و داعيه؟
قلنا: ما ذكرناه من وقوع تصرّف العبد بحسب قصده و داعيه صحيح لا غبار عليه، و لا يعترضه ما ذكره السائل. و بيانه: انّ كلّ واحد ممّن أشار إليه السائل لم يقع منه إلّا ما دعاه الداعي إليه الا ترى أنّ اليهوديّ أو النصراني لا يقصد إلّا إلى اعتقاد نبوّة موسى أو عيسى و اعتقاد نفي نبوّة نبيّنا عليه السلام فيقع منه ذلك و لا يقع منه اعتقاد آخر، و الجرّاح لا يقصد إلّا إلى بطّ الدمل. و لا يقع منه إلّا ذلك، و شارب الخمر قصد إلى شربها فوقع منه. و الكاتب إذا قصد إلى كتابة