المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٦٣
في حدّ الفاعل فيكون تحديدا لكلّ واحد من اللفظين بالآخر.
فالصحيح أن يقال: الفاعل المختار هو الذي حدث به الشيء على سبيل الداعي، فيدخل في هذا الحدّ جميع الأفعال المبتدأ و المتولّد. و ذلك لأنّ المتولّد أيضا يقع بحسب الداعي، و لكن بواسطة سببه، ألا ترى أنّ من دعاه الداعي إلى الرمي في سمت مخصوص فولد رميه إصابة شيء في ذلك السمت، فإن إصابته في ذلك السمت بحسب داعيه، و قد يدعوا الداعي إلى كثير من المتولّدات بالأصالة كالكتابة و غيرها. و يدخل الساهي و النائم في هذا الحدّ إذا فعلا، لأنّهما أيضا يفعلان بحسب الداعي، و لكنّهما لا يتذكران عند الانتباه داعيهما. و إن شئت قلت: الفاعل هو الذي يحدث به الشيء على سبيل الصحة، و يدخل فيه جميع الأفعال و فعل الساهي و النائم أيضا على جميع الأقوال، لأنّ من لا يثبت للساهي داعيا فإنّه يقول فيما يحدث عنه أنّه حدث على طريق الصحّة.
و إنّما قلنا أنّ هذا معنى الفاعل، لأنّ المعقول من الفاعل المختار هو الذي يؤثّر على سبيل الداعي، و المعقول من كونه مؤثّرا في الشيء أن يكون الشيء حادثا به.
و لأجله إذا ثبت ذلك فهذا المعنى معلوم ضرورة في تصرّفاتنا معنا. و كذا نعلم ضرورة أنّ العقلاء يعلمون باضطرار أنّ تصرّفات العباد حادثة بهم و من جهتهم، لأنّهم يتلطّفون في استدعاء الفعل منه و يعظونه و يزجرونه عن تركه و يحتالون بكلّ وجه ليفعله و يدعونه على فعل ما يكرهونه و يصفونه عليه و يمدحونه على فعل ما يوافق أغراضهم و يريدونه.
فعند هذا نعلم باضطرار أنّ العقلاء ساكنوا النفوس إلى أنّ الفعل بالعبد يوجد و لا يشكّون فيه و لا يداخلهم فيه شبهة، لأنّ معاملتهم التي حكيناها تقتضي ذلك. و لو لم يعلم ذلك باضطرار لصحّ الاستدلال، بما ذكرناه من استحسانهم أمر الغير بالحسن، و مدحهم له عليه و نهيه عن القبيح و ذمّه عليه على