المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥٩
كون الخبر عن ذلك صدقا، إذ الخبر الصدق يفهم منه الإخبار عن الشيء، و أنّ الشيء على ما تناوله.
فكون المخبر على ما تناوله داخل في معنى كونه صدقا، فكيف يكون دليلا عليه، مع ما قد علمنا من أنّ شأن الدليل أن يكون مغايرا أو في حكم المغاير للمدلول فلو وصفناه تعالى بالاقتدار على الخبر الصدق عن كونه جاهلا أو محتاجا، لكنّا قد وصفناه بأنّه يقدر على أن يجعل نفسه جاهلا و محتاجا، أو أنّ غيره يقدر على أن يجعله كذلك، و ذلك محال.
و إنما قلنا إنّ وصفه بالقدرة على الخبر الصدق عن كونه جاهلا أو محتاجا، من حيث ان كون الخبر عن ذلك صدقا يقتضي كونه مخبره مطابقا لما تناوله.
و ذلك لا يكون إلّا باقتداره تعالى أو باقتدار غيره على أن يجعله كذلك. و ليس كذلك القبيح، لأنّه دليل على كون فاعله جاهلا أو محتاجا، و لا يدخل كون فاعله جاهلا أو محتاجا في معنى القبيح. ألا ترى أنّ معناه الفعل الذي له مدخل في استحقاق الذمّ عليه، و اقتداره تعالى عليه لا يدخل في ضمنه و معناه اقتداره أو اقتدار غيره على تصيّره جاهلا أو محتاجا فافترقا من هذا الوجه.
و إذا فرغنا من القول في أنّه تعالى قادر على القبيح، فلنشرع في أنّه لا يفعله و لا يخلّ بالواجب عليه في حكمته.
و الذي يدلّ على أنّه تعالى لا يفعل القبيح، هو ما قد نبّهنا عليه من قبل، من أنّ القادر لا يفعل ما يقدر عليه، إلّا إذا كان له إليه داع، و لا يصحّ إلّا كذلك، على ما بيّناه من قبل. و لا شك في أنّه لا داعي له تعالى إلى فعل القبيح، إذ الداعي إليه إنّما هو العلم أو الاعتقاد أو الظنّ المتعلّق باحتياج القادر إليه، أو الجهل الذي هو اعتقاد وجوبه، أو كونه مختصا بوصف زائد على حسنه أو الظن لذلك. و معلوم أنّ هذا الداعي محال فيه تعالى، فلا يفعله.
يؤكد ما ذكرناه أنّه تعالى مع أنّ لا داعي له إلى فعل القبيح فله عنه صارف