المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥٤
«زيد في الدار» و إذا قال كذلك كان كذبا قبيحا، لكان أولى، لأنه مهما أورد على هذه الصورة ما اورد على الصورة الأولى من أنّ قوله: «زيد في الدار» إنّما يكون كذبا بأن يقصد إلى الإخبار عن كونه فيها، فمن أين إنّه يقدر على هذا القصد يمكننا أن نجيب عنه بأن نقول: لا خلاف في أنّه يقدر على هذا القصد، ألا ترى أن زيدا لو كان في الدار، لصحّ منه تبارك و تعالى الإخبار عن كونه في الدار فبخروج زيد عن الدار يزول اقتداره تعالى على هذا القصد. و لئن كان كذلك لوجب ان يخرجنا أيضا عن كوننا قادرين عليه، و المعلوم خلافه.
و لو قلت: إنّه تعالى يقدر على أن يقول: «زيد في الدار» قاصدا عن الإخبار عن ذلك إذا كان زيد في الدار، و حصل في هذا الإخبار غرض المثل، لأنّه يكون حسنا، فيجب أن يكون قادرا عليه، و إن لم يكن زيد في الدار، لأنّ خروج زيد عن الدار لا يخرجه عمّا كان عليه، إذ لو أخرجه عن الاقتدار على ذلك، لأخرجنا أيضا لكان أقرب و أوضح.
و اعلم أنّ المخالف في هذه المسألة رجلان: أحدهما يقول: القبيح إنّما يقبح للنهي و اللّه تعالى ليس بمنهي، فلا يقبح منه شيء، و يستحيل اتصاف أفعاله تعالى بالقبيح، فهو غير قادر على هذا القبيح من هذا الوجه، و هو الأشعريّ و من وافقه في الامتناع من التحسين و التقبيح النقلي. و الآخر هو النظّام، يقول:
لو قدر على القبيح، للزم أن يكون إمّا جاهلا أو محتاجا، لأنّه إذا كان قادرا على القبيح، صحّ منه وقوعه، و القبيح صحّ منه وقوعه، و القبيح يدلّ على جهل فاعله أو احتياجه، فيكون ذلك مصيرا إلى أنّه يصحّ وجود ما يدلّ على كونه جاهلا أو محتاجا و هذا يقتضي كونه إما جاهلا أو محتاجا، لأنّ الدلالة كالعلم في تعلّقه بالشيء على ما هو به ألا ترى انّه لا يصحّ إقامة دليل على كون زيد في الدار إلّا و هو في الدار، كما لا يصحّ أن يعلم أنّه في الدّار إلّا و هو في الدار.
و نبيّن ذلك بأن نقول: إذا قدر على القبيح و صحّ وقوعه منه، أ رأيتم لو وقع