المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٩
«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» [١] أي منتظرة.
و الفرق بين هذا التأويل و بين ما تقدّم أنّ مع هذا التأويل لا يحتاج إلى تقدير محذوف في الكلام، و مع التقدير الأوّل يحتاج إليه تعلّقوا بسؤال موسى عليه السلام الرؤية من اللّه تعالى على ما حكاه تبارك و تعالى عنه في قوله:
«وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ، قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» [٢].
قالوا: فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه تعالى، لما جاز أن يسأل موسى حصولها له.
قلنا: الجواب عن ذلك ذكره الشيوخ في كتبهم، و هو أنّ موسى عليه السلام ما سأل الرؤية لنفسه، و إنما سألها لقومه نيابة عنهم. و بيانه قوله تعالى:
«يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ، فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً» [٣]. و قول موسى عليه السلام عند نزول الصاعقة: «أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا» [٤].
فإن قيل: لو كان السؤال لقومه لوجب أن يقول: أرنا ننظر إليك، و لما قال:
«أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ».
قلنا: قد جرت العادة بمثل ذلك، فانّ الشفيع في حقّ قوم، و مقدّم القوم أيضا إذا سأل في حقّهم يقول للمشفوع إليه: افعل بي كذا و كذا و منّ عليّ بما أسألك إيّاه و افعل بي كيت و كيت، مع أنّ المقصود يرجع إلى القوم.
فإن قيل: لو جاز أن يسأل اللّه تعالى الرؤية مع علمه باستحالتها عليه بنيابة القوم لجاز أن يسأله تعالى: هل هو تعالى جسم أو ليس بجسم؟ بنيابته عنهم.
قلنا: فرق بين المسألتين، و ذلك لأنّ الشّك في الجسم يقدح في العلم
[١] القيامة: ٢٢
[٢] الأعراف: ١٤٣.
[٣] النساء: ١٥٣.
[٤] الأعراف: ١٥٥.