المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٥
و أمّا وجه الممدوحيّة فيه فتحقيقه هو أنّه إنّما يصحّ أن يرى لما يكون متحيّزا أو ذا هيئة كالألوان. فهو تبارك و تعالى تمدّح بنفي هذه الصفات عن ذاته تعالى، من حيث أنّ كلّ صفة من هذه الصفات تقتضي الحدوث. فإذا ثبت أنّ هذا التمدّح راجع إلى ذاته وجب أن يكون إثباته نقصا كما أنّ إثبات السنة و النوم و الصاحبة و الولد في حقّه نقص لما كان جميع ذلك تمدّحا بنفى يرجع إلى الذات.
و بعد، فلو لم يكن إثبات الرؤية نقصا لما كان نفيها مدحا، لأنّ ما لا يكون نقصا إمّا أن يكون مدحا أو لا يكون مدحا و لا نقصا، و لا يصحّ التمدّح بنفي واحد من القسمين. ألا ترى أنّه لا يصحّ التمدّح بنفي الاقتدار أو كونه عالما لما كان كلّ واحد منهما مدحا، و كذا لا يصحّ أن يتمدّح أحدنا بأنّه لا يفعل مباحا لأنّه لا يكون بفعله منصوصا و لا ممدوحا، فعلمت بهذا أنّ إثبات الرؤية فيه تعالى إثبات نقص. و بذلك يسقط قولهم إنّه تعالى إنّما نفى أن يراه جميع الرائين.
و كذا نقول: فمن أين إنّه لا يراه بعضهم؟ و ذلك أنّه إذا كان كونه مرئيا صفة نقص وجب أن لا تثبت في حقّه تبارك و تعالى لا بالنّسبة إلى بعض الرائين و لا بالنسبة إلى جميعهم.
و أمّا قولهم: «إنّه تعالى إنّما نفى أن تدركه الأبصار» و كذا [١] نقول: «فمن أين إنّه لا يدركه المبصرون بالأبصار». قلنا: هذا التّأويل يخرج الآية من أن يكون مدحا له تبارك و تعالى. و ذلك لأنّ الأبصار كما لا تراه كذلك لا ترى غيره، فأيّ مدحة له في ذلك.
ثمّ نقول: إنّ اللّه تبارك و تعالى خاطب العرب على ما جرت به عادتهم في مخاطباتهم. و من المعلوم أنّهم إذا أضافوا الفعل إلى الآلة فانّما يريدون إضافته إلى صاحب الآلة، فيقولون: «يد فلان تبطش أو لا تبطش، و رجله تمشي أو لا
[١] ج: و كلّنا.