المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٢
لم يكن له عين صحيحة استحال أن يرى، و العلم بهذا ضروريّ، و بمثل ذلك يعلم أنّه إنّما يرى باعتبار المقابلة أو حكمها، لأنّه مهما كان المرئيّ أو محلّه مقابلا له أو في حكم المقابل بأن يكون محاذيا لمرآة مستقبلة له أو ما يجري مجراها من الأجسام الصقيلة صحّ أن يرى، و مهما لم يكن كذلك لم يصحّ أن يرى، و هذا أيضا معلوم ضرورة.
فإن قيل: أ ليس اللّه تعالى يرانا من دون مقابلة أو حكمها، فهلّا جاز أن نراه من دون المقابلة أو حكمها؟
قلنا: المقابلة أو حكمها شرط في الرائي بالحاسّة، و القديم تعالى راء لا بالحاسّة، فلهذا جاز أن يرى من دون مقابلة أو حكمها.
فإن قيل: إذ لم تكن المقابلة أو حكمها شرطا في رؤيته تعالى، فهلّا جوّزتم أن يرى تعالى نفسه؟
قلنا: إنّما لم نجوّز ذلك لأنّ القول بأنّه تعالى يرى نفسه مع استحالة أن يراه غيره قول خارج عن أقوال الأمّة على ما ذكرناه من قبل، فثبت أنّه تعالى يستحيل عليه الرؤية.
مما يدلّ على أنّه تعالى لا يرى، قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» [١] و وجه الدلالة من الآية أنّه تعالى تمدّح بنفي إدراك الأبصار عن نفسه، و إدراك الأبصار إنما هو الرؤية و هذا التمدّح راجع إلى النفس، لا إلى نفي فعل، فيجب أن يكون إثباته نقصا، و النقائص مستحيلة عليه تعالى، فلا يجوز أن يرى.
فإن قيل: لم قلتم إنّ إدراك البصر إنّما هو الرؤية؟
قلنا: لأنّه إذا قيّد بالبصر أفاد إدراكا يكون البصر على الخصوص آلة فيه.
[١] طه: ٧٧.